ورابعاً : أنّه قدس سره قد عبّر عن الدلالة تارةً بالملازمة بين اللفظ والمعنى ، وأخرى باختصاص اللفظ بالمعنى ، وثالثة بقالبيّة اللفظ أو مبرزيّته للمعنى ، والظاهر أنّ هذه التعبيرات مآلها إلى شيء واحد في نظره الشريف .
فنتيجة كلامه أنّ الواضع قد وضع الملازمة الواقعيّة بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى ، ومن هذه الجهة لها موطن ذهنيّ ، كما أنّ لها موطن خارجيّ أيضاً بين وجود اللفظ ووجود المعنى ، وعدم انحصارها بالذهن دليل على عدم كونها من الاعتباريّات المحضة ، والاعتبار ليس علّة لثبوتها ، بل طريق إلى الملازمة الواقعيّة .
واستدلّ في مجموع كلماته لعدم كونها من الاعتباريات المحضة بأمرين :
الأوّل : زوال الاعتبار بنوم المعتبر ، أو غفلته .
الثاني : أنّا نرى في ما إذا كانت الدلالة معلولة لكثرة الاستعمال بقاءها وإن اعتبر خلافها ، مع أنّ الأمور الاعتباريّة تزول باعتبار الخلاف « 1 » .
وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه إن أراد وجود الملازمة مطلقاً حتّى للجاهل بالوضع ، فبطلانه من الواضحات ؛ لاستلزام كون سماع اللفظ علّة للانتقال إلى المعنى ، ولازمه استحالة الجهل باللغات ، وإن أراد ثبوتها للعالم بالوضع فقط ، فيرد عليه : أنّها وإن كانت ثابتة للعالم فقط ، إلّاأنّها ليست بحقيقة الوضع ، بل هي متفرّعة عليها ؛ بمعنى أنّها أثر الوضع لا حقيقته ، ومحلّ النزاع إنّما هو في تعيين حقيقة الوضع التي تترتّب عليها الملازمة « 2 » .
وفيه - مضافاً إلى أنّ القول باختصاص الملازمة للعالم بالوضع مستلزم للدور ؛ لتوقّف الوضع على العلم بالوضع وبالعكس - : أنّ الملازمة من جهة العلم بالوضع وعدمه مهملة ، وليست بمطلقة ولا مقيّدة ، كسائر الملازمات الواقعيّة ؛ فإنّه ليس
هامش
( 1 ) مقالات الأصول 1 : 59 - 63 .
( 2 ) محاضرات في أصول الفقه 1 : 41 - 42 .