إنّ أعظم آفة لأصحاب القدرة والسطوة - الذين تحفل قواميس معظمهم بالفساد والظلم والجور والسلب والنهب والقتل - تكمن في غفلتهم عن أنفسهم ونسيانهم لماضيهم ، فلو علم الحاكم ومهما كانت قدرته ومنصبه بأنّ هناك من أفاض عليه كافّة قدراته واستعداداته الجسمية والنفسية ، وأنّ هذا الفيّاض قادرٌ على سلبه إيّاها متى شاء ، فإنّه لن يعدّ يفكِّر في ظلم أحد ، كما لا يهمّ بالتمرّد وإشعال فتيل الحروب .
أمّا إذا لم يلتفت لهذه الآفة ، ولم يكترث لعظمة خالقه وزهادة شخصه ، فإنّ الطغيان والفرعنة ستتجذّر في شخصه يوماً بعد آخر .
وهذا هو الذي ربّما خاطب به علي عليه السلام نفسه حين جلس على كرسي الحكم وتولّى مقاليد الأمور ، بأنّ كلّ مالدينا من اللَّه ؛ ومن هنا ندب الشارع إلى القول :
« بحول اللَّه وقوّته أقوم وأقعد » « 1 » في قيام وقعود الصلوات اليومية الخمس ، أي أنّ الإنسان لابدّ أن يعلم بأنّ هذه القدرة على القيام والقعود ليست مستقلّة نابعة من قدرة الإنسان ، بل هي إفاضة من إفاضات الحقّ تبارك وتعالى .
وهنا نقول : هل سيكون هنا لك من ظلم وجور لو اكتفى الحكّام والزعماء بهذا الأمر فقط وجعلوا اللَّه أمام أعينهم في أنّه هو الذي وهبهم كلّ هذه القوّة والقدرة ؟ !
الثاني : العزّة في العبودية :
يرى الإمام علي عليه السلام - وهي الرؤية الإسلامية الحقّة - أنّ القدرة والرئاسة والسلطة المعنوية وبالتالي العزّة والسيادة - بمعناها الصحيح لا بمعنى الغطرسة والقوّة الغاشمة - إنّما تتحقّق في ظلّ العبودية .
فالإمام عليه السلام ولبيان هذا الهدف - عدم تحقّق السيادة دون العبودية - قد طرح مسألة « عبداللَّه » إثر كلمة « أمر » التي تفيد
هامش
( 1 ) .
الوسائل : 6 / 361 ، أبواب السجود ب 13 .