الثاني : ما رواه الشيخ رحمه الله بإسناده عن موسى بن أكيل ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حقّ ، فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما ، فحكما ، فاختلفا فيما حكما ، قال : وكيف يختلفان ؟ قال :
حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان ، فقال : « ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين اللَّه ، فيمضى حكمه » « 1 » .
فإنّ الروايتين تدلّان على نفوذ حكم الأفقه الأعلم الأورع ، وعلى نفوذ حكم الأعدل الأفقه ، ومضمونهما عين مضمون المقبولة ، ومع ذلك لم يستدلّوا بهما على الترجيح في باب تعارض الروايتين ، وليس ذلك إلّالعدم ربطهما بما نحن فيه ، فكذا الحال في المقبولة .
فالترجيح بصفات الإنسان - من الأعدليّة وأمثالها - مربوط بباب القضاء وتعارض حكم الحاكمين .
ولا ملازمة بين الترجيح بصفات القاضي عند اختلاف الحكمين وبين الترجيح بصفات الراوي عند تعارض الروايتين ، سيّما أنّ بينهما فرقاً واضحاً ، وهو أنّ التخيير ممكن في باب الخبرين المتعارضين ، بخلاف الحكمين المختلفين ، لأنّ المتخاصمين لو كانا مخيّرين في الأخذ بأيّ حكم منهما لاختار كلّ منهما الحكم الذي له ، ولم ترفع المنازعة ، ولعلّه لأجل هذا ورد أخبار التخيير كلّها في الخبرين المتعارضين ، ولا ترتبط أصلًا بالحكمين المختلفين .
وما أفاده « 2 » المحقّق الرشتي رحمه الله في صدر كلامه من عدم إمكان حمل المقبولة على القضاء إلّاعلى وجوه ثلاثة كلّها خلاف الظاهر ، وفي ذيله من عدم
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 27 : 123 ، كتاب القضاء ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 45 .
( 2 ) تقدّم نقل كلامه في ص 495 .