نقد ما اختاره الميرزا الرشتي رحمه الله في مفاد المقبولة
أقول : إنّ المحقّق الرشتي رحمه الله وإن تأمّل في الرواية كمال التأمّل والدقّة ، لكنّه رحمه الله كأن لم ينظر إلى صدرها « 1 » ، فإنّ حمل صدرها على الشبهة الحكميّة ممّا لا يمكن ، لأنّ التحاكم إلى السلطان أو إلى القضاة إنّما هو التحاكم إلى القدرة ، وهو لا يتصوّر إلّافي المنازعة في الموضوعات ، لأنّ النزاع في الحكم الشرعي مرجعه إنّما هو الفقيه العالم بحكم اللَّه ، لا السلطان والقاضي كما هو واضح .
فصدر الرواية ظاهر بل صريح في الشبهة الموضوعيّة ، بل لا يمكن حمله على الشبهة الحكميّة ، وكذا لسائر فقرات الحديث إلى قوله : « لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر » ظهور قويّ في أنّ الحكم بمعنى القضاء ورفع الخصومة .
فلا ريب في أنّ الترجيح بالأعدليّة « 2 » وأمثالها في المقبولة مربوط بحكم الحاكمين لا بفتوى الفقيهين أو تعارض الخبرين .
ويشهد له حديثان آخران :
أحدهما : ما رواه الصدوق بإسناده عن داود بن الحصين ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف ، فرضيا بالعدلين ، فاختلف العدلان بينهما ، عن قول أيّهما يمضي الحكم ؟
قال : « ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما ، فينفذ حكمه ، ولا يلتفت إلى الآخر » « 3 » .
هامش
( 1 ) قطّع صاحب الوسائل رحمه الله هذه الرواية فلم يذكر صدرها ، ولعل المحقّق الرشتي رحمه الله أخذها من الوسائل فغفل عن صدرها الصريح في القضاء ورفع الخصومة . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) وهل كلّ من الأعدليّة والأفقهيّة والأصدقيّة والأورعيّة مرجّح مستقلّ أو مجموعها مرجّح واحد ؟ للبحث عنه محلّ آخر ، وهو كتاب القضاء من الفقه . منه مدّ ظلّه .
( 3 ) وسائل الشيعة 27 : 113 ، كتاب القضاء ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 20 .