فدعوى تقدّم النسخ على التخصيص في المقام ، لدوران الأمر واقعاً بين تقييد الخاصّ بالعامّ وتخصيص العامّ بالخاصّ ، وقلنا بتقدّم التقييد على التخصيص عند الدوران بينهما ، ممنوعة ، بأنّ تقدّم التقييد على التخصيص إنّما يكون فيما إذا كان بينهما تعارض ، كالعامّين من وجه ، فإذا قال : « أكرم العلماء » وقال أيضاً : « لا تكرم الفاسق » يتعارضان في مادّة الاجتماع ، ويقدّم العامّ على المطلق ، لكونه بياناً له وقاطعاً لصحّة احتجاج العبد به كما تقدّم « 1 » ، ولولاه لرجعنا في مورد الاجتماع إلى أخبار العلاج ، بخلاف العموم والخصوص المطلقين ، إذ لا تعارض بينهما عرفاً في وعاء التقنين .
ومنه ظهر وجه تقدّم التخصيص على النسخ على تقدير استفادة الاستمرار من كون الخاصّ قضيّة حقيقيّة ، فإنّ القضيّة الحقيقيّة - كما عرفت آنفاً - تدلّ على الاستمرار بنحو من العموم ، فإذا كان الخاصّ الدالّ بالإطلاق على الاستمرار مخصّصاً للعامّ فالخاصّ الدالّ بالعموم عليه يكون مخصّصاً له بطريق أولى ، فإنّه دليل لفظي ، فهو أقوى من الإطلاق الذي ليس كذلك .
وبعبارة أخرى : إذا كان قوله : « لا تكرم الفسّاق من العلماء » قضيّة حقيقيّة كان معناه : « كلّ من وجد في الخارج واتّصف بكونه عالماً فاسقاً يحرم إكرامه » فكأنّه قال : « يحرم إكرام العالم الفاسق في هذا الأسبوع وفي الأسبوع الآتي وفي الأسبوع الثالث » وهكذا ، فهو بلسانه يبيّن حكم ما بعد صدور العامّ بالنسبة إلى العالم الفاسق ، فهو أولى بتخصيص العامّ ممّا إذا استفيد استمرار حكم الخاصّ من الإطلاق .
هامش
( 1 ) راجع ص 409 - 410 .