وفيه : أنّ الأشاعرة كما عرفت ذهبوا إلى ثبوت صفة باسم الكلام النفسي قائمة بذاته تعالى ، كالعلم والقدرة ، وقالوا : إنّ للإنسان أيضاً كلاماً نفسيّاً ، إلّاأنّه حادث ، بخلاف كلام اللَّه تعالى ، وأمّا المعتزلة فأنكروا الكلام النفسي من أصله ، وذهبوا إلى أنّ تكلّمه سبحانه من قبيل صفات الفعل ، وهذا ينادي بأعلى صوته كون النزاع في حقيقة عميقة ، وهي وجود الكلام النفسي وعدمه ، وهذا لا يرتبط بترادف لفظي الطلب والإرادة وعدمه ، بحيث لو قال الأشاعرة بترادفهما لأنكروا الكلام النفسي ، ولو قال المعتزلة بمغايرتهما لأثبتوه ، وتسمية الكلام النفسي في بعض الموارد من قبل الأشاعرة بالطلب في مقابل الإرادة لا توجب كون النزاع لغويّاً بحيث لو قالوا باتّحاد الطلب والإرادة لرفعوا اليد عن الكلام النفسي .
نقد أدلّة الأشاعرة على دعواهم
ثمّ إنّ الأشاعرة استدلّوا على الكلام النفسي بوجوه كلّها مردودة : منها : أنّه لابدّ في الجملة الخبريّة « 1 » من صفة قائمة بنفس المخبر غير العلم بمطابقتها للواقع ، لأنّه قد يشكّ في المطابقة ، بل قد يعلم عدمها ، ومع ذلك يصدق على الجملة أنّها خبريّة ، فلابدّ من وجود صفة أخرى قائمة بنفس المخبر ، وهي الكلام النفسي .
ويرد عليه : أنّ مراجعة الوجدان قاضية بعدم أمر قائم بالنفس صالح لأن يكون كلاماً نفسيّاً ، فإنّ الحقائق الموجودة عند التكلّم بمثل « زيد قائم » إنّما هي أمور تسعة : 1 - لفظ الموضوع ، 2 - لفظ المحمول « 2 » ، 3 - هيئة الجملة ، 4 - إرادة
هامش
( 1 ) هذا الدليل يختصّ بالجمل الخبريّة ، والدليل الثاني الآتي بالجمل الإنشائيّة . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) بمادّته وهيئته . منه مدّ ظلّه .