وأمّا ثانيها : فبأنّ الضدّين وإن كانا لا يجتمعان في زمان واحد ، إلّا أنّه لا دليل على اتّحادهما بحسب الرتبة « 1 » أيضاً ؛ لأنّ الرتبة ليست أمراً محسوساً وجدانيّاً كالزمان ، بل أمرٌ عقلي ، والعقل لا يحكم بشيء بدون الملاك ، فهو يحكم بتقدّم العلّة على المعلول رتبةً بملاك أنّها تفيضه وتوجده ، وبتأخّر المعلول عن العلّة كذلك بملاك أنّ وجوده نشأ منها ، وباتّحاد رتبة المعلولين لعلّة واحدة بملاك عدم كون أحدهما أنقص من الآخر في المعلوليّة للعلّة المشتركة ، وملاك الاتّحاد الرتبي لا يوجد في الضدّين « 2 » .
إن قلت : يكفي الاتّحاد الزماني في إثبات الاتّحاد الرتبي .
قلت : كلّا ، فإنّ العلّة والمعلول متّحدان زماناً ، مختلفان رتبةً ، فالاتّحاد الزماني لا يدلّ على تحقّق الاتّحاد الرتبي أيضاً .
وأمّا ثالثها : فبأنّه لو سلّم كون النقيضين والضدّين في رتبة واحدة ، فلإنكار لزوم كون أحد العينين في رتبة نقيض الآخر مجال واسع ، لعدم البرهان على أنّ الرتب العقليّة حكمها حكم الزمان في الخارج « 3 » ، لو لم نقل بأنّ البرهان قائم على خلافه ، لأنّ للرتب العقليّة ملاكات خاصّة ، ربما يكون الملاك موجوداً في الشيء دون متّحده في الرتبة ، ألا ترى أنّ ملازم العلّة لا يكون مقدّماً على
هامش
( 1 ) ولابدّ للمحقّق الخراساني والقوچاني رحمهما الله من إثبات اتّحادهما رتبةً للوصول إلى المقصود وهو نفي مقدّميّة عدم أحدهما للآخر ، لأنّ عدم أحدهما من قبيل عدم المانع كما جاء في دليل القائل بالاقتضاء ، وعدم المانع جزء للعلّة التامّة ، وتقدّم العلّة على المعلول إنّما هو بحسب الرتبة لا الزمان . م ح - ى .
( 2 ) كما لا يوجد ملاك التقدّم والتأخّر الرتبيّين بينهما أيضاً . م ح - ى .
( 3 ) حيث إنّا بعد علمنا بأنّ زيداً موجود في زمن عمرو وعمراً موجود في زمن بكر نعلم وجداناً بأنّ زيداً موجود في زمن بكر . م ح - ى .