قلنا : إنّ غسل الليل يوجب تحقّق الامتثال من السابق وإن لم يوجب رفع الحدث عنه ، كان الإشكال في الشرط المتأخّر جارياً فيه كما لا يخفى ، إلّاأنّ حديث جعل الغسل شرطاً للصوم لا يقتضي ذلك ، بل أقصاه أنّه لا يتحقّق صحّة الصوم إلّابه ، غايته أنّه لا على وجه الجزئيّة ، بل على وجه القيديّة ، وذلك ممّا لا محذور فيه بعدما كان الغسل فعلًا اختياريّاً للمكلّف وكان قادراً على إيجاده في موطنه ، فتسرية إشكال الشرط المتأخّر إلى قيود متعلّق التكليف ممّا لا وجه له .
الأمر الثاني : لا إشكال في خروج العلل الغائيّة عن حريم النزاع ، فإنّ العلل الغائيّة غالباً متأخّرة في الوجود عمّا تترتّب عليه ، وليست هي بوجودها العيني علّة للإرادة وحركة العضلات نحو ما تترتّب عليه حتّى يلزم تأثير المعدوم في الموجود ، وتقدّم المعلول على علّته ، بل العلّة والمحرّك هو وجوده العلمي « 1 » ، مثلًا علم النجّار بترتّب النوم على السرير موجب لحركة عضلاته نحو صنع السرير ، وكذا علم المستقبِل بمجيء زيد في الغد يوجب إرادته للاستقبال ، ولا أثر لوجودهما العيني في ذلك ، فإنّ من لم يعلم بقدوم زيد في الغد لا يتحقّق منه إرادة الاستقبال وإن فرض قدومه في الغد ، كما أنّ علمه بقدومه يوجب إرادة الاستقبال وإن فرض عدم قدومه ، فالمؤثّر هو الوجود العلمي ، وكذا الحال في علل التشريع ، فإنّ علل التشريع هي العلل الغائيّة ، ولا فرق بينهما ، إلّاأنّهم اصطلحوا في التعبير عنها في الشرعيّات بعلل التشريع وحكم التشريع ، وفي التكوينيّات بالعلل الغائيّة ، وعلى كلّ حال علم الآمر بترتّب الحكمة موجب للأمر ، وإن كانت هي بوجودها العيني متأخّرة عن الأمر ، فما كان من العلل
هامش
( 1 ) أي تصوّره والتصديق بأنّه مترتّب على المعلول . م ح - ى .