والوجه في ذلك هو أنّ حقيقة كلّ علم ، حقيقة اعتباريّة « 1 » ، وليست وحدتها وحدة بالحقيقة والذات ليكون تمييزه عن غيره بتباين الذات كما لو كانت حقيقة كلّ واحد منهما من مقولة على حدة ، أو بالفصل كما لو كانت من مقولة واحدة ، بل وحدتها بالاعتبار ، وتمييز كلّ مركّب اعتباري عن مركّب اعتباري آخر ، يمكن بأحد الأمور المزبورة .
وأمّا التمايز في المقام الثاني فبالغرض ، إذا كان للعلم غرض خارجي يترتّب عليه ، كما هو الحال في كثير من العلوم المتداولة بين الناس ، كعلم الفقه والأصول والنحو والصرف ونحوها « 2 » .
وذلك لأنّ الداعي الذي يدعو المدوّن لأن يدوّن عدّة من القضايا المتباينة علماً ، كقضايا علم الأصول مثلًا ، وعدّة أخرى منها علماً آخر ، كقضايا علم الفقه ، ليس إلّااشتراك هذه العدّة في غرض خاصّ ، واشتراك تلك العدّة في غرض خاصّ آخر ، فلو لم يكن ذلك ملاك تمايز هذه العلوم بعضها عن بعض في مرحلة التدوين ، بل كان هو الموضوع ، لكان اللازم على المدوّن أن يدوّن كلّ باب - بل كلّ مسألة - علماً مستقلّاً ، لوجود الملاك ، كما ذكره صاحب الكفاية قدس سره .
هامش
( 1 ) والمراد بالمركّب الاعتباري مجموعة أمور متعدّدة مسّماة باسم واحد لدخلها في غرض خاصّ ، كالصلاة ، فإنّها مركّبة من أجزاء مختلفة ، بل من مقولات متباينة غير قابلة للاجتماع الواقعي ، لكنّ الشارع اعتبرها شيئاً واحداً وسمّاها باسم الصلاة ، لكونها بهذه الهيئة المركّبة ناهية عن الفحشاء والمنكر ومعراج المؤمن وقربان كلّ تقيّ . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) فإنّ لهذه العلوم غرضاً خارجيّاً يترتّب عليها ، كصون اللسان عن الخطأ في المقال ، في النحو ، والاقتدار على تشخيص الأحكام الإلهيّة ، في الفقه ، فإنّ من تعلّم النحو لا يقول في محاوراته : « جائني زيداً » بل يقول : « جائني زيد » ، فله أثر عملي ، ومن تعلّم الفقه واستنتج فيه وجوب صلاة الجمعة يذهب إلى المصلّى ويؤدّيها ، فله أيضاً غرض خارجي . منه مدّ ظلّه .