ولكنّ الذي يقتضيه التحقيق أنّ معاني الحروف كلّها إيجاديّة ، حتّى ما أفاد منها النسبة .
وبيان ذلك : هو أنّ شأن أدوات النسبة ليس إلّاإيجاد الربط بين جزئي الكلام ، فإنّ الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهويّة والذات ، لوضوح مباينة لفظ « زيد » بما له من المعنى للفظ « القائم » بما له من المعنى ، وكذا لفظ « السير » مباين للفظ « الكوفة » و « البصرة » بما لها من المعنى ، وأداة النسبة إنّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم ، على وجه يفيد المخاطب فائدة تامّة يصحّ السكوت عليها ، فكلمة « من » و « إلى » إنّما جيئ بهما لإيجاد الربط ، وإحداث العلقة بين السير والبصرة والكوفة الواقعة في الكلام ، بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط وعلقة أصلًا .
والحاصل : أنّ معاني الحروف إيجاديّة ، بمعنى أنّ استعمال ألفاظها موجب لإيجاد معانيها من دون أن يكون لمعانيها نحو تقرّر وثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال ، بل توجد في موطن الاستعمال ، نظير المعاني الإنشائيّة التي يكون وجودها بعين إنشائها ، كإيجاد الملكيّة بقولنا : « بعت » حيث إنّه لم يكن للملكيّة سبق تحقّق مع قطع النظر عن الإنشاء .
بل المعاني الحرفيّة أدون من المعاني الإنشائيّة ، فإنّ صيغ العقود وإن اشتركت مع الحروف في إيجادها المعنى ، إلّاأنّها تفترق عنها أوّلًا : في أنّ المعنى الحرفي يكون قائماً بغيره ، والمعنى الإنشائي يكون قائماً بنفسه ، وثانياً : في أنّ المعنى الحرفي لا حقيقة له إلّاالاستعمال ، والمعنى الإنشائي له حقيقة اعتباريّة باقية بعد الاستعمال ما دام الاعتبار باقياً ، بخلاف المعنى الموجد بالحرف ، فإنّ المعنى الحرفي قراره وقوامه يكون في موطن الاستعمال ، بحيث يدور مداره حدوثاً وبقاءً .
أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة — صفحة 179
مساهمون: محمد حسين يوسفى گنابادى
ص١٧٩