فلابدّ حينئذٍ من انتهاء الوضع إلى اللَّه تعالى ، الذي هو على كلّ شيء قدير ، وبه محيط .
ولكن ليس وضعه تعالى للألفاظ كوضعه الأحكام لمتعلّقاتها وضعاً تشريعيّاً ، ولا كوضعه الكائنات وضعاً تكوينيّاً ، بل المراد من كونه تعالى هو الواضع أنّ حكمته البالغة لمّا اقتضت تكلّم البشر بإبراز مقاصدهم بالألفاظ فلابدّ من انتهاء كشف الألفاظ لمعانيها إليه تعالى شأنه بوجه ، إمّا بوحي منه إلى نبيّ من أنبيائه ، أو بإلهام منه إلى البشر ، أو بإيداع ذلك في طباعهم ، بحيث صاروا يتكلّمون ويبرزون المقاصد بالألفاظ بحسب فطرتهم حسب ما أودعه اللَّه في طباعهم « 1 » .
فحاصل كلامه رحمه الله : أنّ الواضع هو اللَّه سبحانه ، وتبليغه إلى البشر إمّا بالوحي ، أو الإلهام ، أو الإيداع في الفطرة والطبيعة .
نقد كلام المحقّق النائيني رحمه الله حول واضع الألفاظ
ويرد عليه أوّلًا : أنّ تحقّق الوضع بيد اللَّه تعالى وإبلاغه إلى البشر بواسطة الوحي أيضاً مسألة مهمّة ، بل أهمّ من تحقّقه بيد الإنسان ، فلابدّ من ذكره في كتب التواريخ ، بل في الكتب السماويّة أيضاً ، فعدم ذكره فيهما دليل على عدمه .
وأمّا الإلهام والفطرة ، فإن أريد بهما أنّ اللَّه تعالى يلهم ذلك إلى جميع الناس ، ويكون ذلك في فطرة جميعهم ، كما هو ظاهر كلامه ، فهو ممنوع ، لأنّه يستلزم أن يكون كلّ إنسان عارفاً بكلّ لغة ، وليس كذلك ، وإن أريد أنّ النفوس الأوّليّة كانوا كذلك ، وتعلّم سائر الناس معاني الألفاظ ووضعها لها منهم ، ففيه أنّ
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 1 و 2 : 30 ، وأجود التقريرات 1 : 19 .