تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
المخاطب لا يفهم كلامه بعدُ ، كما تقدّم . قلت : تفهيمه في المعاني الجزئيّة والأعلام الشخصيّة سهل ، لأنّه يتمكّن من الإشارة إلى الموضوع له وإعلام أنّ اللفظ الفلاني وضع له ، إنّما الإشكال في المفاهيم الكلّيّة ، مثل حقيقة الماء ، فإنّ لفظه وضع لمفهوم الماء لا لمصاديقه الخارجيّة ، فلو أحضر الواضع كأساً من الماء ، وقال : « وضعت لفظ الماء لهذا » لم يصحّ ، إذ لم ينتقل ذهن السامع منه إلى المفهوم ، لكن يمكن التفهيم في مثله بطريق آخر ، وهو أن يشير إلى ماء كأس ويقول : هذا ماء ، ثمّ فعل كذلك بماء آخر ، ثمّ بماء ثالث ، وهكذا ، فإنّ تكرار هذا العمل بالنسبة إلى مياه متعدّدة يكشف من أنّ لفظ الماء موضوع لمفهومه العامّ ، وكلّ من المياه الخارجيّة مصداق له . والحاصل : أنّ وضع الألفاظ للمعاني بيد البشر ، لكنّ البشر الأوّلي لم يفتقر في تفهيم مقاصده إلّاإلى وضع ألفاظ معدودة قليلة واستعمالها ، ثمّ ازداد الحاجة ، فوضع سائر الناس ألفاظاً أخرى لمعانٍ مستحدثة ، وهكذا . وأمّا تعدّد اللغات وتكثّرها فمنشأه التعصّبات القوميّة التي تحرّك القبائل إلى وضع لغة جديدة وعدم تكلّمهم بلغة سائر القبائل . فوضع الألفاظ وتوسعة اللغات وتكثّرها كلّها بيد البشر ، لكن لم تتحقّق بيد بشر واحد ، بل اشترك فيها أفراد متعدّدة من الناس في طول الزمان ، فكلّما وجدوا معنىً جديداً وضعوا له لفظاً خاصّاً ، فاتّسعت اللغات يوماً فيوماً .