النفوس الأوّليّة كيف كانوا عارفين بجميع اللغات المتداولة في هذا الزمان مع تكثّرها جدّاً ؟ !
وثانياً : أنّ الوضع لو استند إلى اللَّه تعالى لاستند تكثّر اللغات أيضاً إليه لا محالة ، فأوحى بناءً على ما ذهب رحمه الله إليه كلّ لغة منها إلى نبيّ من أنبيائه ، أو ألهمها جمعاً من النفوس الأوّليّة ، أو أودعها في فطرتهم « 1 » ، وهم بلّغوها إلىسائر أفراد البشر ، فأوحى اللغة العربيّة مثلًا إلى واحد من أنبيائه ، وهو بلّغها إلى العرب ، واللغة الفارسيّة إلى نبيّ آخر وهو بلّغها إلى الفرس ، وهكذا ، وقس على هذا الإلهام والإيداع في الطباع .
وبالجملة : استناد الوضع إليه تعالى يستلزم استناد تكثّر اللغات أيضاً إليه ، وتكثر اللّغات من حيث هو يغاير غرض الوضع الذي هو سهولة التفهيم والتفهّم ، حيث إنّه يوجب حرمان أهل كلّ لغة من فهم سائر اللغات وثمراتها إلّا بعد صرف الأوقات الطويلة وتحمّل المشاقّ في طريق تحصيل تلك اللغات ، بخلاف ما إذا تكلّم جميع الناس بلغة واحدة في الأسواق والجامعات والحوزات العلميّة وغيرها ، ودوّن بها جميع الكتب والجرائد والمجلّات ونحوها ، وكان عليها مدار التكلّم في التلفاز والمذياع وشبههما ، حيث يفهم حينئذٍ الكلّ كلام الكلّ بسهولة كما لا يخفى ، فكيف نقول باستناد هذا الأمر المغاير لغرض الوضع إلى اللَّه سبحانه مستقيماً ؟ !
إن قلت : كيف يكون تكثّر اللغات مغايراً لغرض الوضع ، مع أنّ اللَّه تعالى عدّه من آياته حيث قال : « وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
هامش
( 1 ) وهنا طريق رابع ملفّق وإن لم يذكره المحقّق النائيني رحمه الله وهو أن يبلّغ بعضها من طريق الوحي ، وبعضهاالآخر من طريق الإلهام أو الإيداع في الفطرة والجبلّة . منه مدّ ظلّه .