فكيف يمكن إحاطة البشر الذي هو محدود وقدرته متناهية بهما حتّى يتحقّق بيده الوضع ؟ !
مع أنّه لو سلّم إمكان ذلك يبعّده أمران :
أ - أنّ تبليغ الوضع إلى عامّة البشر إمّا أن يكون دفعةً أو تدريجاً ، والأوّل محال عادةً ، لبُعد بعض الأمكنة عن بعض ، والثاني وإن كان ممكناً إلّاأنّه لا ينفع ، لأنّ الحاجة إلى تأدية المقاصد بالألفاظ تكون ضروريّة للبشر على وجه يتوقّف عليها حفظ نظامهم ، فيسأل عن كيفيّة تأدية مقاصدهم قبل وصول الوضع إليهم .
ب - أنّ الواضع لو كان هو البشر مثل يعرب بن قحطان ، كما قيل ، فنفس هذا الواضع كيف يُعلِم الناس حين الوضع أنّ اللفظ الفلاني وضعه للمعنى الفلاني ، مع أنّه لم يمكن التفهيم والتفهّم بعدُ ؟
توضيح ذلك : أنّه يحتاج حين الوضع إلى أن يقول : « أيّها الناس وضعت لفظ كذا بإزاء معنى كذا » مع أنّهم لا يفهمون معاني هذه الألفاظ بعدُ ، ولو أغمضنا عن هذا وقلنا بإمكان قيام الإيماء والإشارة مقام هذه الألفاظ بأن يشير إلى ولده مثلًا ويقول : « زيد » من دون أن يحتاج إلى لفظي « أيّها الناس » و « وضعت » فهو وإن أمكن بالنسبة إلى المعاني الجزئيّة ، إلّاأنّه لا يمكن في المفاهيم الكلّيّة ، كالماء والنار والحجر والشجر ، فإنّ الواضع لو أحضر كأساً وأشار إلى المائع الذي فيها وقال : « الماء » لما أفهم المقصود ، لأنّه لا يريد وضع هذه اللفظة له ، بل للماء الكلّي الذي ما في الكأس أحد مصاديقه فقط .
أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة — صفحة 117
مساهمون: محمد حسين يوسفى گنابادى
ص١١٧