أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ » « 1 » ؟
قلت : كون شيء آية له تعالى لا يستلزم أن يكون نافعاً للإنسان أو مربوطاً به تعالى مستقيماً ، ألا ترى أنّ العصيان آية له سبحانه ، حيث إنّ منشأ قدرة العاصي هو قدرة اللَّه الذي خلقه وأقدره على ارتكاب الطاعات والمعاصي ، مع أنّ العصيان لا ينفع الإنسان بل يضرّه ولا يرتبط به تعالى مستقيماً .
فاختلاف الألسنة وتكثّر اللغات مع كونه مغايراً لغرض الوضع يكون من آيات اللَّه ، لأنّه سبحانه أقدر الإنسان على جعل اللغات وتكثيرها « 2 » .
فما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله من أنّ الواضع هو اللَّه لا يتمّ .
بل التاريخ والوجدان يشهدان على أنّ الواضع هو البشر ، وتكثّر اللغات وكذا توسعته بيده ، فإنّا نجد المخترعين وأرباب الصنائع مثلًا يضعون لمخترعهم وصنعتهم لفظاً ويسمّونه به ، ثمّ إذا وصل ذلك المخترع وتلك الصنعة إلى سائر البلاد وضع له أهلها لفظاً آخر بلغتهم ويسمّونه به ، وهكذا .
والإنسان كان كذلك في بدء نشأته أيضاً ، فإنّه كلّما احتاج إلى تفهيم مقاصده وانتقالها إلى الغير وضع لفظاً للمعنى المحتاج إليه ونقل به مراده إليه ، فحينما صار عطشاناً وافتقر إلى ما يرتفع به عطشه أو جائعاً واحتاج إلى ما يرتفع به جوعه وضع لفظ الماء والخبز لحقيقتهما الكلّيّة ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الألفاظ والمعاني .
إن قلت : لا يتمكّن الواضع من تفهيم أنّ لفظ كذا وضع لمعنى كذا ، لأنّ
هامش
( 1 ) الروم : 22 .
( 2 ) وأمّا اختلاف الألوان فهو وإن كان فعل اللَّه سبحانه وخارجاً عن اختيار الإنسان ، ولعلّ بعض الأفراد السود مثلًا يحزنون به ، إلّاأنّه لغرض أهمّ ، كما يشير إليه قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » الحجرات : 13 . م ح - ى .