« اعلم أن أبناء يعقوب لمّا عزموا على الخروج إلى مصر و كانوا موصوفين بالكمال و الجمال و ابناء رجل واحد قال لهم :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ
؛ و فيه قولان : الأول و هو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم .
و لنا ها هنا مقامان : المقام الأول إثبات أن العين حق ، و الذي يدلّ عليه وجوه :
الأول إطباق المتقدّمين المفسّرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . . . ، و بعد نقل وجوه أخرى و هي روايات في اصابة العين قال : « المقام الثانى في الكشف عن ماهيته » إلى أن قال :
« الوجه الثالث و هو قول الحكماء . قالوا هذا الكلام مبنى على مقدمة و هي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثير بحسب هذه الكيفيّات المحسوسة ؛ أعنى الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ؛ بل قد يكون التأثر نفسانيا محضا ، و لا يكون للقوى الجسمانية بها تعلّق . و الذي يدل عليه أن اللّوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ، و لو كان موضوعا في ما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشى عليه ، و ما ذاك إلّا لأنّ خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه . فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة .
و أيضا إنّ الإنسان إذا تصوّر كون فلان مؤذيا له حصل في قلبه غضب و يسخن مزاجه جدّا . فمبدأ تلك السخونة ، ليس إلّا ذلك التصور النفساني ، و لأن مبدأ الحركات البدنيّة ليس إلا التصوّرات النفسانيّة . فلمّا ثبت أن تصوّر النفس يوجب تغيير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدّى تأثيراتها إلى سائر الأبدان ، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان . و أيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية ؛ فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر به شرط أن يراه و يتعجّب منه .
فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل ، و التجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه ، و النفوس النبويّة نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك . و إذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسّرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق