العقل ذلك مع تلك العناية من المسلمين في حفظه و كان الناس في اقطار الأرض عارفين في القرآن و عدد السورة و آياته فأنى كان لعثمان مجال ذلك بل انه جمع الناس على قراءة واحدة و لفظ بسائر القراءات ظنا منه أن القرآن يصان بذلك من الزيادة و النقصان و أن كثرة القراءات توجب ادخال ما ليس من القرآن في القرآن .
و في تفسير الدر المنثور للسيوطي في كريمة
. . . وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ . . .
( التوبة ، الآية 34 ) بالإسناد أنّ عثمان بن عفان لمّا اراد أن يكتب المصاحف ارادوا أن يلقوا الواو التي في براءة
. . . وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ . . .
، قال لهم ( ابي بن كعب ) رضى اللّه عنه : لتلحقنّها أو لأضعن سيفي على عاتقي « 1 » . و دونك الاقوال و الآراء من جم غفير من المشايخ في ذلك .
قال ابن التين و غيره « 2 » : لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض ، فخشى عثمان من تفاقم الامر ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره و اقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم و ان كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج و المشقة في ابتداء الامر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة .
و فيه أيضا : قال القاضى أبو بكر في الانتصار : انما قصد عثمان جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و إله و الغاء ما ليس كذلك و أخذهم بمصحف لا تقديم فيه و لا تأخير و لا تأويل أثبت مع تنزيل و لا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه و مفروض قرائته و حفظه خشية دخول الفساد و الشبهة على من يأتى بعد .
قال : و قال الحارث المحاسبى : المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان و ليس كذلك ؛ انما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه و بين من شهده من المهاجرين و الانصار ؛ لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق و الشام في حروف القراءات . فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات
هامش
( 1 ) . ط مصر ، ج 3 ، ص 232 .
( 2 ) . النوع الثامن عشر من الاتقان طبع مصر 1318 ه ، ص 58 ، 64