و تحقيق الحق في ذلك يبتني على تمهيد مقدمة و هي ان الامامية و المعتزلة و بالجملة العدلية اشترطوا في صحة التوبة ترك المعاودة لذلك الذنب الذي تاب منه أيّ ذنب كان و منعه الاشاعرة لان الشخص قد يندم على الامر زمانا ثمّ يبدوله و اللّه مقلب القلوب . قال الآمدى التوبة مأمور بها فتكون عبادة و ليس من شرط صحة العبادة المأتى بها في وقت عدم المعصية في وقت آخر بل غايته إذا ارتكب ذلك الذنب مرة ثانية وجب عليه توبة اخرى و إذا دريت هذه المقدمة فنقول :
الحق في ذلك عند أصحابنا الاماميّة - رضى اللّه عنهم - و المعتزلة : الاوّل أي بطلان التوبة الموقتة لانهم قالوا التوبة هي الندم على المعصية لكونها معصية و العزم على ترك المعاودة في المستقبل كما علمت فهم اشترطوا العزم على عدم العود أبدا و هذا الشرط يقتضى بطلانها و اما الاشاعرة فحيث لم يشترطوا ذلك قالوا بالصحة لكن صرّح بعضهم ان النادم على المعصية لا يخلو من ذلك العزم البتة على تقدير الخطور و الاقتدار .
في الكافي للكليني ( قده ) عن الكناني قال سألت أبا عبد اللّه - عليه السلام - عن قول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
، قال : يتوب العبد من الذنب ثمّ لا يعود فيه .
قال محمّد بن الفضيل سألت عنها أبا الحسن - عليه السلام - فقال : يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه ، و أحبّ العباد إلى اللّه تعالى المنيبون التوابون .
و فيه : أبو بصير سأل أبا عبد اللّه - عليه السلام - عنها فقال : هو الذنب الذي لا يعود إليه أبدا قال ، قلت : و أيّنا لم يعد ؟ فقال : يا با محمّد انّ اللّه تعالى يحب من عباده المفتن التواب .
« المفتن » من الافتنان أو التفتين بمعنى الايقاع في الفتنة أى الذنب . فتأمل .
الخامس : ذهب جماعة من المعتزلة إلى أنّ التوبة إنّما تجب من الكبائر المعلوم كونها كبائر و المظنون فيها ذلك و لا تجب من الصغائر المعلوم كونها صغائر ، لأن التوبة انما تجب رفعا للضرر و هو غير حاصل في الصغيرة . و قال آخرون : إنها لا تجب من ذنوب تاب عنها من قبل .
و الحقّ عندنا الامامية أنها تجب من جميع الكبائر و الصغائر و الاخلال بالواجب