و إن لم يرد الشرع بذلك و لهذا سموهم العدليّة .
و أمّا الاشعرى فلما لم يقل بثبوتهما عقلا لم يثبت شيئا من ذلك عنده بل قالوا إن اللّه تعالى اخبر في الشرع بجميع ذلك فكل قبيح و حسن انما يعلم باعلامه و لولاه لما كان للعقل علم بشيء منهما فلا يقبح من اللّه شيء و لا يجب عليه شيء و كل ما سواه صادر عنه بناء على ما اصلوه و هذا تحقيق أهل مذهب الفريقين في باب الافعال و لكل من الفريقين دلائل مذكورة في مواضعها .
و قال العلامة الحلى - قدّس سرّه - في شرحه على تجريد الاعتقاد :
و قد شنّع أبو الحسين على الاشاعرة باشياء رديّة و ما شنّع به فهو حقّ إذ لا تتمشى قواعد الاسلام بارتكاب ما ذهب إليه الاشعرية من تجويز القبائح عليه تعالى و تجويز اخلاله بالواجب و ما ادرى كيف يمكنهم الجمع بين المذهبين « 1 » .
و اعلم انّه لا يشك عاقل أنّ الصدق المشتمل على النفع حسن في نفسه و الكذب المشتمل على الضرر قبيح في نفسه سواء لاحظ الشرع أولا فان العاقل متى عرض ذلك على نفسه و فرض نفسه خاليا عن الشرع جزم به من غير أن يخالجه شكّ فيه و لا يعبأ به من أنكر الضرورة إذ هو مكابر بمقتضى عقله فلا يلتفت إليه و لهذا إن العاقل متى خير بين الصدق و الكذب عند اختيار ما استوت منفعته و مضرّته باعتبار وقوع أيّهما منه يميل إلى الصدق و يختاره و ما ذلك إلّا لعلمه بما فيه من الحسن الذاتي و بما في الكذب من القبح الذاتى و إنّما يتغيران بعوارض تعوق العقل عن اتباعهما لاعن العلم بهما فقد يختار الكذب و يترك الصدق إمّا لاشتمال الأوّل على مصلحة أو منفعة عاجلة و اشتمال الثاني على مضرة عاجلة او حصول منفعة فيميل بحسب الطبيعة إلى مخالفة العقل طلبا لتلك الفائدة و ترجيحا لها لالتغير في الصدق و الكذب عن الحسن و القبح الذاتيين لهما و ذلك بيّن تشهد به العقول السليمة عن آفة الالفة و المحبّة و التقليد .
و بوجه آخر لو كان مدرك الحسن و القبح هو الشرع وحده لزم أن لا يتحققا بدونه
هامش
( 1 ) - « كشف المراد » ص 33 ، بتحقيق الراقم .