لهى المقام الجمعى لكل موجود و حقيقته الأصليّة الّتى منها نزلت و ظهرت فى صورة الكثرة و الفرق و لعل الحق تعالى اشار بتلك الكلمة القدسيّة الى ان حقيقة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت الولاية و الشفاعة متحقّقة فى مرتبة جمعيّتها و لم يتغيّر عند ما نزلت فى عالم الخلق بل هى مع الحق فى عين كونه مع الخلق و فى الخلق و اللّه سبحانه يعلم حقائق اسرار خطابه و كتابه و اعرف و اغتنم ما اجملت لك من الأسرار .
« قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ »
الكفر السترو منه الكفارة بمعنى الستّارة للعصيان و هذه الآية الشريفة ، يعنى هذا الاطلاق دليل على ان الكفر غطاء على وجه الفطرة الانسانيّة بمعنى ان النفوس لكون اصلها من عالم القدس و التّجريد مجبولة على التّوحيد و الادخال ( كذا ) للحق و انكشاف الحق عليها و لذلك قلنا فى موضعه ان الإسلام هو الدين الفطرى المرموز فى كون الفطرة البشريّة لو كانت باقيّة على حدّ طبعها و جوهرها ، و الكفر أمروراء الفطرة نظير العوارض الغريبة الغير اللّاحقة لذات موضوعاتها لاقتضاء من طباع الموضوعات ، بل لعلل و اسباب اتفاقيّة خارجة .
و اعلم ان قول الكافرين بان معجزات النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من نوع السحر اقوى دليل و احكم برهان على صدور غرائب الطبيعة و خوارقها منه ، فهذا القدر مسلم بيننا و بينهم باعترافهم لكنا ندعى ان صدور تلك الغرائب كانت بقوة نفسه المقدّسة باذن اللّه سبحانه من غير استعانة بالحيل و الالآت حسبما يصنعه الساحر و هم يدعون انها صدرت باستعانة بالحيل فكانت سحرا لا معجزة لكن دعويهم هذه مردودة بانه لم ينقل أحد من المورخين و اهل السير و الأخبار من جميع الملل انه عليه السّلام كان مزاولا لهذه الأعمال السّحرية و لم يشاهده احد يعمل بتلك الآلات و لم ينقلها و لو كانت دعويهم حقة نقلت الينا كما نقل صدور الغرائب . و لو لا خروج الكلام عن قاعدة التفسير لا طنبت البحث و التحقيق و عليك بتفصيل ما اجملناه و تحقيقه وفقك اللّه تعالى . انتهت المقالة الشريفة .