شرح
وليس ( 1 ) وجود أحدهما مقدمة لترك الآخر ، ولا العكس ( 2 ) ، كسائر الاُمور المتضادة ، لا سيما لو لم ينحصر التضاد بفردين كما في المقام ، إذ إن لترك النظر - الذي هو طبق جفن على جفن - وغض النظر وهو الانصراف عن الشيء تماماً وجعله كالعدم من حيث ما يراد من الاستمتاعات الجنسية ، ضداً ثالثاً ، وهو أن لا يغض النظر عن الشيء - أي لا يجعله كالعدم - ولا
هامش
طارئ يستلزم النظر إليها ، والكلام معها وأخذ شيء منها واعطاء شيء إليها ، وهو النظر الذي يقتصر فيه على انجاز العمل أو المعاملة أو الطارئ أو عارض يقتضي ذلك . الثاني : النظر إليها نظر استمتاع عما يراد منها والذي يكون عادة مع التلذذ والريبة وخوف الوقوع في الحرام فخفض النظر أو كسره أو قصره أو تنقيصه أو تخفيفه كما فسّر أهل اللغة الغض بذلك : هو ما يراد به أن لا يكون نظراً بالنحو الثاني فإنه ممنوع في الآية المباركة وهو الذي نقول إنه هو الذي تقتضيه من التبعيضية ، وإلاّ فلو كان المراد من الغض ترك النظر فاللازم أن يقول قل للمؤمنات يغضضن أبصارهن لا من أبصارهن . ويشهد على ما ذكرنا بصراحة ما تعقبت به الآية المباركة وهي قوله تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ ) حيث إنّه عقّب بقوله تعالى : ( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) أي من النظر الذي يكون من النحو الثاني الذي لو كان بلا شك لا يكون الفرج محفوظاً ولكان الناظر من العادين لأنه ابتغى ما وراء ما يراد من الزوجة والمملوكة ، وأما النظر بالنحو الأوّل فإنه لا ينافي حفظ الفرج والفرج به محفوظاً . وكذا قوله تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) فإنه معقّب بقوله تعالى : ( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) فإن النظر الذي يكون من النحو الثاني هو الذي لو كان كان الناظر من العادين وهو الذي يوجب أن لا يحفظ الفرج ، لا النظر من النحو الأوّل . ولا شك في أنّ الآيتين معاً دالتان على النظر الذي يكون مع التلذذ والريبة بلا شك حرام وممنوع وهو النظر الذي يكون مع قصره وكسره وخفضه وتخفيفه الذي هو النظر إلى غير ما يراد من المرأة من الاستمتاعات ، لا أن المراد من الغض عدم النظر وإن النظر مطلقاً حرام فإن هذا غير محتمل في الآيتين جزماً .
( 1 ) هذا وهم ودفع .
( 2 ) أي ليس وجود أحدهما مقدمة لوجود الآخر .