تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواضح في شرح العروة الوثقى (النكاح) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
شرح
بدعوى ان غض البصر عبارة عن ترك النظر للرجال . والجواب عن ذلك : أن الذي تدل عليه الآية المباركة كما أشرنا إليه سابقاً ( 1 ) إنما هو لزوم غض النظر ، ومعنى غض النظر هو الانصراف عن الشيء تماماً وجعله كالعدم لما يراد منه ، كما يستعمل في المحاورات كثيراً ويقال : ( ومع غض النظر عن ذلك ) أي ومع جعل الجواب الأوّل أو الدليل الأوّل كالعدم ، فأن غض النظر أمرٌ وترك النظر امرٌ آخر ، فان غض النظر عن الشيء في المقام جعله كأنه مغفول عنه ولا يكون له طمع فيه فيما يكون المقصود منه الاستمتاع ، فمعنى قوله تعالى : ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يُغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) ( 2 ) - واللّه العالم - ان الرجل لابدّ وأن يغض نظره عما يطلب من المرأة من الاستمتاع وجعله كالعدم إلاّ من الزوجة والمملوكة كما في قوله تعالى : ( إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) ( 3 ) فكذا المرأة في قوله تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) معناه أن المرأة لابدّ لها من أن تغض نظرها بالنسبة لغير الزوج والمالك ، أي لا يكون لها أي طمع من غيرهما فيما يراد من الرجل ، وتجعل غيرهما كالعدم ( 4 ) ، وهذا غير ترك النظر ، بل هما ضدان .
هامش
( 1 ) أشار إليه السيد الاُستاذ قدس سرّه في المسألة 27 [ 3659 ] عند التعرض لقوله تعالى ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ . . . ) .
( 2 ) النور 24 : 31 .
( 3 ) المؤمنون 23 : 6 .
( 4 ) وهذا لا ينافي تفسير أهل اللغة للغض بمعنى قصره أو تنقيصه أو كسره أو خفضه أو تخفيفه التي كلها بمعنى قصره على غير النظر الذي يكون للاستمتاع من المرأة ، وأما هو فلابدّ وأن يجعل كالعدم ، فإن النظر إلى المرأة مما لابدّ منه ولا يمكن عدمه في المجتمعات البشرية من قبل مجيء الإسلام إلى يومنا هذا ، فإن المرأة إن لم تكن أكثر من نصف المجتمع لا شك أنها بمقدار نصف المجتمع ، والنظر إليها شيء لا يمكن الانفكاك عنه . لكن النظر إليها كما هو واضح يكون على نحوين : الأوّل : النظر إليها بما أنها طرفاً في المعاملة أو العمل أو أي شيء