شرح
وعليه : بما أن المراد من قوله تعالى : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . . ) ليس هو طبق جفنها عن الرجل لاحتياجه إلى قرينة باعتبار عدم صحة استعماله فيه ، كان المتعين أن يكون المراد بغض بصرهن صرف النظر عما يراد من غير الزوج والمالك من الرجال وفرض غير الزوج والمالك من الرجال كالعدم أي من حيث أنواع الاستمتاع من الرجل ، ونظرهن الذي قامت عليه السيرة إلى وجه الرجل ورأسه وعنقه وكفيه وقدميه إنما هو لا المشوب بنحو من أنحاء الاستمتاع ، ولذا قالوا إن السيرة التي قامت على جواز ذلك إنما هي مع عدم التلذذ والريبة ، فلا دلالة للآية المباركة الآمرة بغض بصرهن على عدم جواز نظرهن إلى وجه الرجل وكفيه ورأسه ونحوها ( 1 ) أبداً .
ثم إن الاتيان بكلمة « من » لابدّ وأن يكون لنكتة ، وهي على ما ذكرنا من تفسير الآية بصرف النظر والاعراض عن غير الزوجة والمملوكة والزوج والمالك وجعلهم كالعدم واضحة الدلالة على التبعيض ، لأن ترك النظر عن غيرهما لا يكون على نحو الإطلاق ، وإنّما هو فيما يرجع إلى الاستمتاعات الزوجية ، لا المعاملات وغيرها مما يحتاجه الإنسان في المعاشرة مع الغير حيث لا تفرض كالعدم . وأما لو فسرنا الآية بترك النظر فلا يبقى لكلمة « من » معنى ، لعدم المعنى للتبعيض في المقام لأن اللازم على هذا هو أن يقول قل للمؤمنات يغضن أبصارهن لا من أبصارهن ، وهو بعيد ممن كلامه في منتهى درجات الفصاحة والبلاغة . إلاّ أن يقال : ان الممنوع من النظر قسم خاص وهو الذي حرمه اللّه - على ما يظهر من بعض كتب اللغة - وهو مردد بين النظر للبدن دون الوجه واليدين ، أو حتى النظر لهما ، أو النظر مع التلذذ ، فلا يمكن الاستدلال بالآية حينئذٍ على حرمة النظر على الاطلاق لإجمالها .
ومما يؤكد أنّ المراد من غض البصر صرف النظر عما يراد من الرجل وجعل ذلك مغفولاً عنه - لا ترك النظر إليه - أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله بان يقول ذلك للمؤمنات ، والجمع المحلى بالألف واللام يفيد العموم ، والمؤمنات كالمؤمنين فيهن من تبصر ومن لا تبصر ، فيكون مفاد العموم شموله للمبصرات وغير المبصرات ، ومعنى ذلك أن لا تطمع المرأة في غير زوجها أو مولاها
هامش
( 1 ) بل وغيرها - غير العورة - إلاّ على نحو الاحتياط الواجب .