شرح
وبعبارة أوضح : ذكرنا سابقاً أن الأفعال بحسب الزمان تتحصص ، بخلاف الجوامد فإن زيداً ( أو المضمون عنه في المقام ) أمس واليوم وغداً وجود واحد ، لا يتعدد بتعدد الزمان ، وأما الأفعال كالقيام في هذا اليوم والقيام أمس ( أو إذن المضمون عنه أمس الذي كان قبل الاشتغال وإذنه بعد الاشتغال وهو اليوم لا أمس فهما فردان من القيام والإذن ، والاذن في المقام فعل من الأفعال لا شك يتعدد بتعدد الزمان ، والوفاء الذي كان مأذوناً فيه هو الوفاء قبل الأداء ، وهو غير قابل للتحقق ، لعدم اشتغال الذمّة ، والوفاء بعد الأداء قابل للتحقق ، إلاّ أنّه لم يتعلق به الإذن ، أي لم يكن الاذن ثابتاً في زمان حتّى يكون للاستصحاب موضوع ، فلا معنى للاستصحاب في المقام ، بل الظاهر عدم جواز التصرف إلاّ بإذن جديد ، أو العلم ببقاء الإذن السابق إلى ما بعد الاشتغال ، وهذا نظير ما إذا فرضنا أن زيداً أباح لعمرو سكنى دار ، وهذه الدار حين الإذن والإباحة لم تكن داره ، فلم يكن إذنه في محله ، فإذا اشترى هذه الدار وشككنا في وجود الإذن السابق وبقائه أو لا ، لا يمكن استصحاب الإذن في المقام ، لأن الإذن كان متعلقاً بالسكنى في زمان لم تكن الدار ملكاً لزيد ، وحينما أصبحت الدار ملكاً لزيد لم يكن إذن من زيد بالسكنى لعمرو ، فإن الأفعال بالنسبة إلى الزمان تتحصص كما عرفت ، فالإذن السابق غير الإذن اللاحق ، وإن كان المأذون السابق هو نفس اللاحق ، لأن زيداً ليس من الأفعال والإذن من الأفعال ، والأفعال تتحصص بالزمان دون الأعيان ، وزيد نفس زيد ، إلاّ أنّ حجه العام غير حجه هذه السنة مثلاً ، وغير الحج الذي كان قبل ثلاثة سنين وهكذا ، فالإذن الذي كان غير الإذن الذي لم يكن ( 1 ) ، فأي استصحاب
هامش
أو ( 175 طبعة بيروت ) فإن الاستصحاب لا يجري مع عدم بقاء الموضوع وتعدده بنظر العرف ، فان شرط جريانه وحدة الموضوع عرفاً .
ومن ذلك أيضاً يظهر ضعف ما علقه السيد السبزواري في المقام ، فإنه علق على قول الماتن ( وبعد الأداء ليس له الاحتساب إلاّ بإذن جديد ) بما نصه : « مقتضى الأصل بقاء الإذن الأوّل ولا يحتاج إلى إذن جديد » مهذب الأحكام 20 : 255 فإن الأصل لا يجري مع اختلاف الموضوع .
( 1 ) في موسوعة السيّد الاُستاذ قدس سره ما نصه : « وحيث إن الاحتساب من الأفعال يكون متعدداً