فقد تلخّص من جميع ما ذكر : أنّ اشتراط التنجيز في العقد ، ليس بسبب استحالة التعليق .
الدليل الثالث : والظاهر أنّه السبب الوحيد فيه - : وهو عدم كون التعليق متعارفاً ومقبولًا عند العقلاء ، فلذا لا نرى أحداً يقول : « زوّجت نفسي إذا اشتريت داراً أخرى » أو « إن كان هذا اليوم أوّل الشهر » أو غير ذلك من قيود التعليق .
ولعلّ السرّ فيه : أنّ طبيعة العقود عند العقلاء ، مبنيّة على الجزم والقاطعية ؛ حتّى يكون كلّ من الطرفين عالماً بما له من الوظيفة ، وإلّا كان مثاراً للنزاع والمخاصمة والمشاجرة ، ولذا لا يعتنون بالعقود المعلّقة فإعراض العقلاء من أهل العرف عن العقود المعلّقة في أبواب المعاملات والنكاح وغيرها ، هو العمدة في عدم صحّتها ؛ لما عرفت غير مرّة من أنّ العمومات الدالّة على الصحّة ، منصرفة إلى ما هو المتعارف بين العقلاء ، ولو كان التعليق على أمر محقّق حالي لكان لغواً .
بل يمكن أن يقال : إنّ صدق عنوان « العقد » على غير المنجّز بعيد ؛ لأنّه يدلّ على استحكام أمر وشدّة وانعقاد ، والإنشاءات المعلّقة ليست كذلك .
وإن كنت مصرّاً على صدق عنوان « العقد » فعلى الأقلّ ينصرف إلى غيرها ، كما مرّ . نعم له بعض الاستثناءات ستأتي الإشارة إليها إن شاء اللَّه .
الدليل الرابع : ما تمسّك به بعضهم لعدم جواز التعليق ؛ وهو تخلّف الإنشاء عن المنشأ . وهذا يجري في التعليق على الأمور المستقبلية .
وحاصله : أنّ الإنشاء إيجاد ، والإيجاد ملازم للوجود ، فكيف يصحّ أن يكون الإنشاء - الذي هو إيجاد - حالياً ، والوجود استقبالياً ؟ ! مثلًا يكون إنشاء الزوجية يوم السبت ، ووجودها يوم الجمعة ؛ فيما إذا علّقها على ذلك اليوم ؟ !
وفيه أوّلًا : أنّه غير صحيح على التفسير المختار في معنى التعليق في الإنشاء ؛ لأنّ الإنشاء ليس حالياً ، بل إنّما صدر الإنشاء بعد فرض يوم الجمعة مثلًا ، فهو إيجاد اعتبار في فرض خاصّ ؛ وهو يوم الجمعة ، ومن المعلوم أنّ الوجود أيضاً حاصل
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 206
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٠٦