ما في ضميري من الإرادة » وإلّا احتمل الإنشاء الصدق والكذب ؛ لأنّه نوع من الحكاية ، وكذلك بين « زوّجت موكّلتي لك » وبين « ابرز لك ما في ضميري من اعتبار الزوجية والبناء عليها » .
والإنصاف : أنّ التعليق في الإنشاء أمر ممكن لا استحالة فيه ، وما يدّعى من الاستحالة شبهة في مقابل الوجدان والبرهان ، وسنكشف النقاب عنها :
أمّا الوجدان ؛ فلأنّ الشرط - بحسب القواعد العربية وبحسب الارتكاز العرفي - يعود إلى الهيئة ، فلذا إذا قال : « إذا دخل الوقت تجب عليك الصلاة » كان الظرف متعلّقاً ب « يجب » لا الصلاة ، وشيخنا العلّامة الأنصاري قدس سره اعترف بذلك ، ولكن ذهب إلى ارتكاب أمر مخالف للظاهر ؛ هرباً من محذور استحالة التعليق في الإنشاء .
وأمّا البرهان ، فيتوقّف على فهم معنى « إن » الشرطية ، ومعادلها في الفارسية :
« اگر » ومن العجيب أنّا نتكلّم ليلًا ونهاراً بهذه الألفاظ ، ولها معانٍ واضحة مرتكزة في أذهاننا إجمالًا ، ولكن عند شرحها وتحليلها يصعب الأمر علينا جدّاً .
والذي يقوى في النظر : أنّ معناه نوع من الفرض ، وقولنا : « إن جاء زيد . . . » معناه :
نفرض أنّه جاء زيد . . . لا أقول : إنّ له معنى فعلياً ، بل له معنى حرفي ، ولكن إذا لوحظ استقلالًا يعود إلى ما ذكر ، كالفرق بين معنى « من » والابتداء ، فإذا قال : « إن جاء زيد أكرمه » معناه : نفرض أنّ زيداً جاء ، ففي هذا الفرض يجب عليك الإكرام .
فالإنشاء هنا أيضاً إيجاد بدون تعليق ، ولكن إنشاء في فرض ، والفرق بينهما دقيق .
وإن شئت توضيحاً أكثر ، فقس حال المنتظر لقدوم زيد ، فسمع صوتاً عند الباب ، فتخيّل أنّه صوت زيد ، فقال : « يا غلام ، قم أكرم زيداً » فذهب فلم يَرَ زيداً ، فإنّ من الواضح أنّ الأمر بالقيام وإكرام زيد في هذه الحالة ، ليس معلّقاً على شيء ، بل بعث قطعي باتّ ، ولكن هذا البعث كان بعد تخيّل مجيء زيد ، فتنحصر باعثيته بفرض مجيء زيد . ومن هنا يجتمع رجوع القيد إلى الهيئة - التي مفادها الإنشاء - مع عدم إمكان التعليق في الإنشاء الذي يعود إلى إيجاد أمر اعتباري .
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 205
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٠٥