فالأولى أن يقال : إنّ المراد منها القعود عن النكاح ، كما يفسّرها قوله تعالى :
اللَّاتِى لَايَرْجُونَ نِكَاحاً فعلى الأوّلين القيد احترازي ، وعلى الأخير توضيحي ، ولعلّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، وليس لها سنّ معيّن ، والحكم يدور مدار الوصف .
الجهة الثانية : في تفسير « الثياب » إذ لا شكّ في أنّه ليس المراد وضع جميع ثيابهنّ وصيرورتهنّ عاريات ، فحينئذٍ يقع الكلام في المقدار الجائز ، فهل هو الجلباب فقط ، أو هو مع المقنعة ، أو هما مع الخمار ؟ ذكر كلّ واحد من هذه الأقوال الثلاثة في « مجمع البيان » من غير اختيار صريح .
ويظهر من « العروة » وغيرها أنّها لا تضع الخمار ، بل تجعله على بعض رأسها ؛ بحيث يظهر منها بعض الشعر ، لا جميعه .
ولكنّ الإنصاف : أنّ وضع الثياب عامّ من هذه الجهة ؛ أي يشمل الجلباب ، والمقانع ، والخمار ، فيظهر شعرها كلّه ، وبعض الذراع ، وبعض الساق .
اللهمّ إلّاأن يقال : ترك ستر الشعر كلّه غير متعارف بين المسلمين ؛ حتّى في حقّ العجائز ، بل يرونه قبيحاً من أيّة امرأة كانت ، فتأمّل .
الجهة الثالثة : في أنّ قوله تعالى : غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ هل هو كما ذكره الزمخشري في « الكشّاف » بمعنى غير مظهرات زينتها ، ليكون حالًا من تلك النساء بعد وضع ثيابهنّ ، أو يكون - كما ذكره الطبرسي قدّس اللَّه سرّه الشريف ، وذكره الزمخشري بعنوان تفسير آخر - بمعنى غير قاصدات بالوضع التبرّج ، فيكون حالًا لهنّ عند قصد وضع الثياب ؟
وإن كان مآل التفسيرين واحداً ، فلا يجوز لهنّ التبرّج بالزينة الباطنة ، كإظهار القرط ، والقلادة ، والسوار ، وغيرها من أشباهها .
هذا كلّه بالنظر إلى الآية الشريفة مع قطع النظر عن روايات الباب .
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة ( كتاب النكاح ) — صفحة 149
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٤٩