من جلابيبهنّ ، والجلباب شيء فوق الخمار كما مرّ ، وإدناؤه إرخاؤه على الصدر والرقبة ، أو مثل ذلك ، وقد تقرّر في علم الأصول أنّ الأمر بالأمر أمر ، وظاهره الوجوب .
اللهمّ إلّاأن يقال : إنّ تعليلها يدلّ على الاستحباب ، أو على أمر إرشادي ، لا أمر مولوي ؛ لأنّ الفسّاق وأرباب الريبة كانوا يمازحون الإماء ، فامر الحرائر بالجلباب والستر ؛ ليعرفن من الإماء فلا يؤذين بذلك ، ثمّ هدّد في الآية الآتية هؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، بالإخراج من المدينة والقتل لو لم ينتهوا عن التعرّض لنواميس المسلمين ، وإذا كان الأمر إرشادياً فلا يدلّ على التحريم .
ولكن يمكن أن يجاب عنه : بأنّه من قبيل ذكر الحكمة ، فلا ينافي الأمر المولوي ، فتأمّل .
وقد يستدلّ بقوله تعالى : وَإِذَا سَأَلُتمُوهُنَّ مَتَاعاً ، فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ . . . « 1 » .
أمر بسؤالهنّ من وراء الحجاب ، ثمّ استثنى تعالى في الآية التالية فقال : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ . . . « 2 » .
وعدم ذكر الأعمام والأخوال من جهة العلم بحكمهم ؛ بسبب ذكر أولاد الإخوة وأولاد الأخوات ، فيعلم جواز ترك الحجاب بقرينة المقابلة ، وحيث إنّ قاعدة الاشتراك في التكليف ، حاكمة على جميع الأحكام الواردة في الشرع في حقّ جماعة ، وتثبتها في حقّ الآخرين ، لذا يستفاد منها حكم عامّ لجميع النساء .
ولكن يرد عليه : أنّ المراد بالحجاب هنا ليس ستر المرأة ، بل المراد ستر البيوت المرخى على أبوابها ؛ فإنّه الذي يعطى المتاع من ورائه ، ومن المعلوم - بالإجماع ، أو
هامش
( 1 ) . الأحزاب ( 33 ) : 53 .
( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 55 .