وقد أخطأ الراغب فجعل الإلقاء من اللقاء ، فقال : » طرْحُ الشئ حيث تلقاه أي تراه « والصحيح أنه لا علاقة له باللقاء لأنه ليس فيه طرفان ، واللقاء متقوم بطرفين ، وليس فيه معنى اللقاء ، ولا يتفق مع تعريف الراغب للقاء بأنه مقابلة الشئ ، بل لا يتفق مع قول الراغب إنه طرح الشئ بحيث تلقاه ، فأين تلقى ما يطرح في قوله تعالى : فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا . وقوله : لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ . نعم يصح أن نجعل لَقَّاهُ من اللقاء والملاقاة ، فنقول إنه بمعنى جعله يلاقيه .
3 . أجمل الراغب آيات هذه المادة ، وقد استعملها القرآن بشكل واسع ، وابتكر فيها عدداً من المصطلحات الإسلامية ، مثل : لقاء الله عز وجل : بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ .
ولقاء الآخرة : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ .
ويوم التلاقي : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ .
ولقاء الموت : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ .
والقوى الملقية للذكر : فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً . عُذْرًا أَوْ نُذْرًا .
4 . توسع القرآن في استعمال اللقاء ، واستعاره لمعان عديدة ، فقد عبر عن شعورنا بالتعب بأنه لقاء : لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا . وعن استحقاق العقاب باللقاء : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا .
واستعمله بمعنى أعطاه وأكرمه : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . . وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ . . وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ .
واستعمله في تلقي القول وترديده : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ .
واستعمله في لقاء الوعد بالجنة : أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَلاقِيهِ .
وفي لقاء كتاب الأعمال لصاحبه : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا . . الخ .
لمَِ - ألمَّ - لمم - أكلاً لماً
تقول : لَمَمْتُ الشئ : جمعته وأصلحته ، ومنه : لَمَمْتُ شعثه . قال تعالى : وَتَأْكُلُونَ التراثَ أَكْلًا لمَّا « الفجر : 19 » . واللَّمَمُ : مقاربة المعصية ، ويعبر به عن الصغيرة ويقال : فلان يفعل كذا لَمَماً ، أي حيناً بعد حين ، وكذلك قوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ « النجم : 32 » وهو من قولك : أَلْمَمْتُ بكذا ، أي نزلت به وقاربته من غير مواقعة . ويقال : زيارته إِلْمَامٌ ، أي قليلة .
ولَمْ : نفي للماضي وإن كان يدخل على الفعل المستقبل ، ويدخل عليه ألف الاستفهام للتقرير . نحو : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً « الشعراء : 18 » أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى « الضحى : 6 » .
. ملاحظات .
1 . خلط الراغب في هذه المادة بين لَمَّهُ بمعنى جمعه ، وبين ألمَّ به بمعنى مرَّ به ، وبين أكلاً لمّاً بمعنى أكلاً شديداً ! فلممتُه : بمعنى جمعته ، لكن قد يَلُمُّهُ ليفسده . قال في أساس البلاغة / 869 : » ومن المجاز لمَّ شعثه أصلح حاله « . فإصلاح حاله ليس من اللم بل من جمع شعثه ، أي ما تفرق من حاله . ولم يرد الَّلمّ في القرآن ، بل ورد في دعاء النبي قال ( صلى الله عليه وآله ) » الكافي : 2 / 552 « : » وأسألك نفحة كريمة من نفحاتك ، وفتحاً يسيراً ، ورزقا ًواسعاً ، أَلُمُّ به شعثي ، وأقضي به ديني « .
أما الأكل الَّلمُّ فهو الأكل الشديد المستأصِل ، ولا علاقة له بلمه بمعنى جمعه ، ولا بألمَّ به بمعنى زاره . قال ابن منظور » 12 / 548 « : » وتأْكلون التُّراثَ أَكْلاً لَمّاً : قال ابن عرفة : أَكلاً شديداً . قال ابن سيده : وهو عندي من هذا الباب ، كأنه أَكلٌ يجمع التُّراث ويستأْصله « .