كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً « النساء : 167 » وكقوله : فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ « سبأ : 8 » أي في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ ، وعلى ذلك قوله : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ « الملك : 9 » قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ « المائدة : 77 » .
وقوله : أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ « السجدة : 10 » كناية عن الموت واستحالة البدن . وقوله : وَلَا الضَّالِّينَ « الفاتحة : 7 » فقد قيل : عنى بِالضَّالِّينَ النصارى . وقوله : فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبي وَلا يَنْسى « طه : 52 » أي لا يَضِلُّ عن ربي ، ولا يَضِلُّ ربي عنه : أي لا يغفله . وقوله : أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ « الفيل : 2 » أي في باطل وإِضْلَالٍ لأنفسهم .
والإِضْلَالُ ضربان ، أحدهما : أن يكون سببه الضَّلَالُ ، وذلك على وجهين : إما بأن يَضِلَّ عنك الشئ كقولك : أَضْلَلْتُ البعيرَ ، أي ضَلَّ عني ، وإما أن تحكم بِضَلَالِهِ . والضَّلَالُ في هذين سبب الإِضْلَالِ .
والضرب الثاني : أن يكون الإِضْلَالُ سبباً لِلضَّلَالِ ، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليَضِلَّ كقوله : لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ « النساء : 113 » أي يتحرون أفعالاً يقصدون بها أن تَضِلَّ ، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضَلَالُ أنفسِهِم . وقال عن الشيطان : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ « النساء : 119 » وقال في الشيطان : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً « يس : 62 » وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « النساء : 60 » وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله « صاد : 26 » .
وإِضْلَالُ اللهِ تعالى للإنسان على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون سببُهُ الضَّلَالَ ، وهو أن يَضِلَّ الإنسانُ فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة ، وذلك إِضْلَالٌ هو حق وعدلٌ ، فالحكم على الضَّالِّ بضَلَالِهِ والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدل وحق .
والثاني من إِضْلَالِ اللهِ : هو أن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقاً محموداً كان أو مذموماً ، ألفه واستطابه ولزمه ، وتعذر صرفه وانصرافه عنه ، ويصير ذلك كالطبع الذي يأبى على الناقل ، ولذلك قيل : العادة طبع ثان . وهذه القوة في الإنسان فعل إلهيّ . وإذا كان كذلك ، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن كل شئ يكون سبباً في وقوع فعل ، صح نسبة ذلك الفعل إليه ، فصح أن ينسب ضلال العبد إلى الله من هذا الوجه ، فيقال : أَضَلَّهُ اللهُ ، لا على الوجه الذي يتصوره الجهلة . ولما قلناه جَعَلَ الإِضْلَالَ المنسوب إلى نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن ، بل نفى عن نفسه إِضْلَالَ المؤمنِ فقال : وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ « التوبة : 115 » فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ « محمد : 4 » .
وقال في الكافر والفاسق : فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ « محمد : 8 » وما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ « البقرة : 26 » كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ « غافر : 74 » وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ « إبراهيم : 27 » .
وعلى هذا النحو تقليب الأفئدة في قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ « الأنعام : 110 » والختم على القلب في قوله : خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ « البقرة : 7 » وزيادة المرض في قوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً « البقرة : 10 » .
. ملاحظات .
1 . لا يصح تعريفه للضلال بأنه العدولُ عن الطريق المستقيم ، لأنه قد يكون ضياعاً عن الهدى ، أو ضياعاً داخل الهدى . ثم حاول إصلاح تعريفه فعمم الضلال للعمد والسهو . والصحيح أن الضلال ضياعٌ ودرجاته متفاوتة ، وأنواعه وأسبابه عديدة . بل يأتي بمعنى التحير