اسْتَكْبَرُوا « سبأ : 33 » . وقوله : اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً « الروم : 54 » . الثاني غير الأول وكذا الثالث ، فإن قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ « الروم : 54 » أي من نطفة أو من تراب . والثاني هو الضَّعْفُ الموجودُ في الجنين والطفل . والثالث الذي بعد الشيخوخة وهو المشار إليه بأرذل العمر . والقوَّتان : الأولى هي التي تجعل للطفل من التحرك ، وهدايته واستدعاء اللبن ، ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء . والقوة الثانية هي التي بعد البلوغ ، ويدل على أن كل واحد من قوله : ضَعْفٍ ، إشارةٌ إلى حالة غير الحالة الأولى ذكره منكَّراً ، والمنكَّر متى أعيد ذكره وأريد به ما تقدم عُرِّف كقولك : رأيت رجلاً ، فقال لي الرجل : كذا . ومتى ذكر ثانياً مُنَكَّراً أريد به غير الأول ، ولذلك قال ابن عباس في قوله : فَإن مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إن مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً « الشرح : 5 » لن يغلب عسر يسرين . وقوله : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً « النساء : 28 » فَضَعْفُهُ : كثرةُ حاجاته التي يستغني عنها الملأ الأعلى . وقوله : إن كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً « النساء : 76 » فَضَعْفُ كيدِهِ إنما هو مع من صار من عباد الله المذكورين في قوله : إن عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ « الإسراء : 65 » .
والضِّعْفُ : هو من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر ، كالنصف والزوج ، وهو تركُّب قدرين متساويين ، ويختصُّ بالعدد ، فإذا قيل : أَضْعَفْتُ الشئ وضَعَّفْتُهُ وضَاعَفْتُهُ : ضممت إليه مثله فصاعداً . قال بعضهم : ضَاعَفْتُ أبلغ من ضَعَّفْتُ ، ولهذا قرأ أكثرهم : يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ « الأحزاب : 30 » وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها « النساء : 40 » وقال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها « الأنعام : 160 » . والمُضَاعَفَةُ : على قضية هذا القول تقتضي أن يكون عشر أمثالها . وقيل : ضَعَفْتُهُ بالتخفيف ضَعْفاً ، فهو مَضْعُوفٌ . فَالضَّعْفُ مصدرٌ والضِّعْفُ إسمٌ ، كالثَّنْيِ والثِّنْيِ ، فَضِعْفُ الشئ هو الّذي يُثَنِّيهِ ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله ، نحو أن يقال ضِعْفُ العشرةِ وضِعْفُ المائةِ ، فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف ، وعلى هذا قول الشاعر :
جَزَيْتُكَ ضِعْفَ الوُدِّ لما اشتكيتَهُ وَمَا إنْ جَزَاكَ الضِّعْفَ منْ أَحَدٍ قَبْلِي
وإذا قيل : أعطه ضِعْفَيْ واحدٍ ، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه وذلك ثلاثة ، لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه ، وذلك ثلاثة . هذا إذا كان الضِّعْفُ مضافاً ، فأما إذا لم يكن مضافاً فقلت : الضِّعْفَيْنِ ، فإن ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين ، لأن كل واحد منهما يُضَاعِفُ الآخرَ ، فلا يخرجان عن الاثنين بخلاف ما إذا أضيف الضِّعْفَانِ إلى واحد فيثلثهما نحو : ضِعْفَيِ الواحدِ . وقوله : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ « سبأ : 37 » وقوله : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً « آل عمران : 130 » فقد قيل : أتى باللّفظين على التأكيد . وقيل : بل المُضَاعَفَةُ من الضَّعْفِ لامن الضِّعْفِ ، والمعنى : ما يعدونه ضِعْفاً فهو ضَعْفٌ أي نقص كقوله : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله « الروم : 39 » وكقوله : يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ « البقرة : 276 » وهذا المعنى أخذه الشاعر فقال : زيادة شيبٍ وهي نَقْصُ زِيَادَتِي
وقوله : فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ « الأعراف : 38 » فإنهم سألوه أن يعذبهم عذاباً بضلالهم ، وعذاباً بإضلالهم كما أشار إليه بقوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ « النحل : 25 » . وقوله : لِكل ضِعْفٌ
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 514
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٥١٤