تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وسَخِرْتُ منه واسْتَسْخَرْتُهُ : لِلْهُزْءِ منه ، قال تعالى : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإنا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ « هود : 38 » بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ « الصافات : 12 » . وقيل : رجل سُخْرَةٌ : لمن سَخِرَ ، وسُخْرَةٌ لمن يُسْخَرُ منه . والسُّخْرِيَةُ والسِّخْرِيَةُ : لفعل الساخر . وقوله تعالى : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا « المؤمنون : 110 » وسخرياً ، فقد حمل على الوجهين على التسخير وعلى السخرية قوله تعالى : وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا « صاد : 62 » . ويدل على الوجه الثاني قوله بعده : وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ « المؤمنون : 110 » .

. ملاحظات .

1 . خلط الراغب بين سَخِرَ وسَخَّرَ ، أي بين التسخير والسخرية ، وكذلك فعل في هزأ . ويقول العرب : اتخذه سِخْرياً ، بمعنى سخر منه ولا يستعملونه في التسخير والإجبار على العمل بل يقولون : أخذه سُخْرةً ، فالمقصود بآية : لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ، السخرية ولا يصح أن يحمل على السُّخْرَة . 2 . عرف اللغويون كلاً من الاستهزاء والسخرية بالآخر ، قال الخليل » 4 / 196 « : » سخر منه وبه أي : استهزأ « . وقال » 3 / 75 « : » الهزء : السخرية « . لكن استعماله القرآني يدل على وجود فرق بينهما ، قال تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . » الأنعام : 10 « . فقد سخروا بالأنبياء ( عليهم السلام ) وجازاهم الله على سخريتهم ، واستهزؤوا بالعذاب الموعود وأحله الله بهم . ونحوه قوله تعالى : فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . » النحل : 34 « . وقد ذكروا عدداً من الفروق بين السخرية والاستهزاء ، وكلها منقوضة بآيات القرآن ، أو ضعيفة ، وبعضها يرجع إلى الفرق بين المستهزَأ بهم والمسخور بهم ، وبعضها يرجع إلى ما يُهزأ به ويُسخر منه ، وبعضها يرجع من يَسخر ومن يَستهزئ . لكن الظاهر أن الفرق بينهما في طبيعة الهُزء والسخرية ، فالهزءُ حالة نفسية تقابل الجد ، وتعني التعاطي الكاذب والمستعلي والمخادع مع أنبياء الله تعالى وآياته . لاحظ قوله تعالى : وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا . وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ . وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ . فقولهم للذين آمنوا : آمَنا ، استهزاءٌ وهو كذبٌ وخداعٌ واستعلاء . ولاحظ قوله تعالى : يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . فقولهم نخوض ونلعب ، هو شكل من أشكال استهزائهم . أما السخرية فهي فعل استهزائي بقول أو عمل ، قال تعالى : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلا مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ . » هود : 28 « . وعقوبة السخرية متناسبة مع الاستهزاء ، قال تعالى : وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ . ومن نوعها قوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . ولم تذكر الآيات العقوبة على فعل الاستهزاء ، بل ذكرت أنه حاق بهم ما استهزؤوا به ! وقد يجتمع الهزو والسخرية ، كما في قوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً . فقولهم : أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ، هزوٌ ، وسخرية .