خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . على أن الرزق يشمل كل مقومات حياة الإنسان في دار الدنيا . كما يدل قوله تعالى : لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ . على أن الرزق ليس نفس الطعام ، بل إيتاء الطعام .
قال الجوهري » 4 / 1423 « : » والكفاف أيضاً من الرزق : القوت ، وهو ما كف عن الناس أي أغنى . وفى الحديث : اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً « .
وقال ابن منظور » 10 / 115 « : » الرازقُ والرّزَّاقُ : في صفة الله تعالى لأَنه يَرزُق الخلق أَجمعين ، وهو الذي خلق الأَرْزاق وأَعطى الخلائق أَرزاقها وأَوصَلها إليهم ، وفَعَّال من أَبنية المُبالغة . والرِّزْقُ : معروف . والأَرزاقُ نوعانِ : ظاهرة للأَبدان كالأَقْوات ، وباطنة للقلوب والنُّفوس كالمَعارِف والعلوم ؛ قال الله تعالى : وما من دابة في الأَرض إِلا على الله رزقها . يقول : وأَرزاقُ بني آدم مكتوبة مُقدَّرة لهم وهي واصلة إِليهم . قال الله تعالى : ما أُرِيد منهم من رِزق وما أُ ريد أَن يُطعمون ، يقول : بل أَنا رازقهم ما خلقتهم إِلا ليَعبدون . وقال تعالى : إِن الله هو الرزَّاق ذو القُوَّةِ المَتِينُ . . وقوله تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رِزقاً من السماوات والأَرض شيئاً . قيل : رزقاً ههنا مصدر فقوله شيئاً على هذا منصوب برزقاً ، وقيل : بل هو اسم فشيئاً على هذا بدل من قوله رزقاً . .
وقوله تعالى : وجد عندها رِزقاً . قيل : هو عنب في غير حينه . وقوله تعالى : وأَعْتدْنا لها رِزقاً كريماً ، قال الزجاج : روي أَنه رِزق الجنة . وقوله تعالى : والنخلَ باسِقاتٍ لها طَلْعٌ نضِيد رزقاً للعباد . انتصاب رِزقاً على وجهين : أَحدهما على معنى رَزقْناهم رزقاً لأَن إِنْباتَه هذه الأَشياء رِزق ، ويجوز أَن يكون مفعولًا له .
وقد يسمى المطر رزقاً وذلك قوله تعالى : وما أَنزل الله من السماء من رِزق فأَحيا به الأَرض بعد موتها . وقال تعالى : وفي السماء رِزْقُكم وما تُوعدون . قال مجاهد : هو المطر وهذا اتساع في اللغة ، كما يقال التمر في قَعْر القَلِيب يعني به سَقْيَ النخل . . وقوله تعالى : وتجعلون رِزْقَكم أَنكم تكذِّبون ، أَي شُكْرَ رزقكم مثل قولهم : مُطِرنا بنَوْءِ الثُّريا ، وهو كقوله : واسأَل القرية ، يعني أهلها « .
2 . ذكر الله الرزق بمعنى الطعام والشراب وما يقيم البدن والحياة ، كقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ .
وذكر الطيبات من الرزق ، في مثل قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ . كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ .
وذكر الرزق في الآخرة في آيات كقوله : بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا . لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا . فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ .
2 . واستعمل الرزق بمعنى العقيدة ، قال : أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ .
ووصف الرزق بأنه ينزل من السماء ، فقال : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً .
وسمى المطر رزقاً فقال : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا . قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ . ومعناه أن رزقكم يتم بسبب من السماء أو الأرض .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 378
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٧٨