رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، وذلك أن إحسانه في الدنيا يعم المؤمنين والكافرين ، وفي الآخرة يختص بالمؤمنين . وعلى هذا قال : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كل شَئ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ « الأعراف : 156 » تنبيهاً [ على ] أنها في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين ، وفي الآخرة مختصة بالمؤمنين .
. ملاحظات .
1 . رحمةُ الله للإنسان هي الغرض من خلقه ، قال الله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . ولام ليعبدون ليست لامُ الغرض ، لأن الغرض الرحمة والخلود في النعيم . فالآية كمن يقول علمتك السير في الطريق ، والهدف بينته لام الغرض في قوله تعالى : وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ .
قال أبو بصير » علل الشرائع : 1 / 13 « : » سألت أبا عبد الله » الصادق ( عليه السلام ) « عن قول الله عز وجل : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ؟ قال : خلقهم ليأمرهم بالعبادة . قال : وسألته عن قوله الله عز وجل : َوَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ قال : ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم « . فالهدف من خلق الإنسان : الرحمة ، أي العطاء بشفقة ، وأن يطيع ربه فيبلغ تكامله ، وهو خلوده في الجنة . وقد روى العياشي في الآيتين » 2 / 164 « : » نزلت هذه بعد تلك « .
2 . وصف القرآن الله تعالى بأنه : أرحم الراحمين : في مثل قوله تعالى : وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . وخير الراحمين : وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .
ونظام الرحمة في القرآن نظامٌ واسع متكامل ، ففي المحاسن » 1 / 238 « عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : » الرحمن : بجميع خلقه ، والرحيم : بالمؤمنين خاصة « .
3 . قال الخليل » 3 / 224 « : » الرحمن الرحيم : إسمان مشتقان من الرحمة ، ورحمة الله وسعت كل شئ ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ويقال : ما أقرب رحم فلان ، إذا كان ذا مرحمة وبر ، وقوله جل وعز : وَأَقْرَبَ رُحْمًا . والمرحمة : الرحمة ، قال الله جل وعز : وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ، أي أوصى بعضهم بعضاً برحمة الضعيف والتعطف عليه .
والرحم : بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن . وبينهما رحمٌ : أي قرابةٌ قريبة . وأما الرحم الذي جاء في الحديث : الرحم معلقة بالعرش تقول اللهم صِلْ من وصلني واقْطَعْ من قطعني ، فالرحم القرابة تجمع بني أب « .
وقال الجوهري » 5 / 1929 « ، ونحوه ابن فارس » 2 / 498 « : » الرحمة : الرقة والتعطف . الرحمن اسم مختص لله تعالى لا يجوز أن يسمى به غيره . وكان مسيلمة الكذاب يقال له : رحمن اليمامة . وأم رُحْم أيضاً اسم من أسماء مكة « .
وقال ابن منظور » 12 / 230 « : » الرَّحْمَةُ : المغفرة . وقوله تعالى في وصف القرآن : هُدىً ورَحْمةً لقوم يؤمنون ، أَي فَصَّلْناه هادياً وذا رَحْمَةٍ . وقوله تعالى : ورَحْمةٌ للذين آمنوا منكم ، أَي هو رَحْمةٌ لأَنه كان سبب إِيمانهم . وقال الله عز وجل : وتَواصَوْا بالصَّبْر وتواصَوْا بالمَرحَمَةِ ، أَي أَوصى بعضُهم بعضاً بِرَحْمَة الضعيف والتَّعَطُّف عليه . وتَرَحَّمْتُ عليه أَي قلت رَحْمَةُ الله عليه . وقوله تعالى : إِن رَحْمَتَ الله قريب من المحسنين . . لأَنه تأْنيث غير حقيقي . وَمَا أَرْسَلْناك إِلَّا رَحْمةً : أَي عَطْفاً وصُنعاً . وإِذا أَذَقْنا الناسَ رَحْمةً من بعد ضَرَّاءَ : أَي حَياً وخِصْباً بعد مَجاعَةٍ .
وقوله تعالى : والله يَخْتَصُّ برَحْمته من يشاء ، معناه يَخْتَصُّ بنُبُوَّتِه من يشاء ممن أَخْبَرَ عز وجل أَنه مُصْطفىً مختارٌ .
قال الفارسي : إِنما قيل بسم الله الرَّحْمن الرحيم ، فجئ بالرحيم بعد استغراق الرَّحْمنِ معنى الرحْمَة لتخصيص