وأما تسميتهم الجدار بين أرضين ، أو العلامات بين دولتين حداً ، فلأنها علامة الحد ، أما الحد الحقيقي فهو انتهاء أرض الطرفين . ولذلك لو وقعت جريمة حسبوا الحد بانتهاء أرض كل طرف وبداية أرض الآخر . فأصل الحد انتهاء الشئ ، ويمكن إرجاع كل الفروع اليه ، حتى الحدود ، والحديد ، وحد السيف ، والنظر الحديد ، والحداد . فإن أبيت إلا تعديد أصولها فهي أربعة : بمعنى انتهاء الشئ ، والحداد على الميت . والنظر الحديد . وحد السيف من الحديد .
قال الخليل » 3 / 19 « : » وحد كل شئ : طرف شباته كحد السنان والسيف ونحوه . والحد : الرجل المحدودعن الخير . والحد : بأس الرجل ونفاذه في نجدته ، قال العجاج : أم كيف حد مضر القطيم .
وأَحَدَّت المرأة على زوجها فهي مُحَد . وحَدَّت بغير الألف أيضاً ، وهو التسليب بعد موته . وحاددته : عاصيته ، ومن يحادد الله ، أي يعاصيه . وما عن هذا الأمر حدد : أي معدل ولا محتد ، مثله ، قال الكميت :
حددا أن يكون سيبك فينا رزماً أو مجبنا ممصورا « .
فكل مفرداته يمكن إرجاعها إلى منتهى الشئ ، وأول ما يتبادر منها الحد الشرعي وحدود الله تعالى ، ولا يصح قول الراغب : » سمِّي به لكونه مانعاً لمتعاطيه من معاودة مثله « لأن صريح قوله تعالى : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ الله . أنه من تجاوزَ الحد ، أي نهاية المسموح به ، وهو يستحق الحد ، أي عقوبة ذلك التجاوز .
2 . قول الراغب : « وجميع حدود الله على أربعة أوجه » من استطراداته الضعىفة غير اللغوية ، ثم نراه قسمها من حيث الزيادة والنقصان ولم يبين قصده بهما ، ولم يذكر إلا مثالاً واحداً ، وبعض الحدود تقبل النقص والزيادة كالتعزيرات الموكلة إلى القاضي .
3 . استعمل القرآن تعبير حدود الله في بضعة عشر مورداً ، وكلها بمعنى نهاية الحلال وأول الحرام ، بدليل النهي عن تعديها ، قال تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . وفي بعضها : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا . وفي بعضها : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . أي نهايات الحلال والحرام وبداياتهما . كما ابتكر تعبير من يحاد الله تعالى ، أي يتجاوز حدود ما أمر : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا . لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
كما استعمل الألسنة الحداد : فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ . أي الجارحة كحد السيف .
واستعمل الحديد : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ للَّنَّاسِ .
واستعمل البصر الحديد ، أي الدقيق الذي يرى نهايات وبدايات الأشياء : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .
4 . قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : » الكافي : 7 / 175 و 174 « : » ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلا وله حدود كحدود داري هذه ، ما كان من الطريق فهو من الطريق ، وما كان من الدار فهو من الدار ، حتى أرش الخدش فما سواه ، والجلدة ونصف الجلدة . قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لسعد بن عبادة : إن الله جعل لكل شئ حداً ، وجعل على كل من تعدى حداً من حدود الله عز وجل حداً ، وجعل ما دون الأربعة الشهداء مستوراً على المسلمين « .
وقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : » ولَوْ كَانُوا كَذَلِكَ
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 ) — صفحة 244
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٤٤