تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وهذا بخلاف ما إذا فرضنا أنّ التمليك المجاني لا يرجع إلى التملّك بالحيازة بهذا التحليل الذي ذكرناه ، وأ نّه نحو سلطةٍ للمالك على ما له ؛ فالمالك ينشئ هذا التمليك ابتداءً ، لا أنّ باب الهبة يرجع إلى التملّك بالحيازة ، غاية الأمر بإذن من المالك الأوّل ، فلو فرض أنّ الأمر كان كذلك ، فتكون شرطيّة القبض تعبّديةً ، لا على مقتضى القاعدة . وممّا يؤيّد قواعديّة شرطيّة القبض هنا عقلائيّاً - وأنّ التملّك المجّاني في باب الهبة إنّما هو بملاك الحيازة كما بيّنّا - هو أنّ الارتكاز العقلائي لا يقبل الهبة بالنسبة إلى أموال لا تُملك بالقبض ولا بالحيازة ، كهبة الأعمال وهبة الكلّي في الذمّة ؛ إذ لا تصحّ هبة العمل مع صحّة التملّك المعاوضي للعمل والذمّة . وقد يقال : حيث إنّ مرجع الهبة إلى التملّك بالحيازة ، فيختصّ التمليك المجّاني بخصوص ما يمكن تملّكه بالحيازة ، وهو الأموال الخارجيّة ؛ ولهذا تختصّ الهبة بها ولا تتعدّاها إلى غيرها . وعليه ، فتأثير هذه اليد في الملكيّة مجّاناً يقع ضمن حدود رضا المالك ؛ فقد يرضى المالك في التأثير على مستوى تمام العين وشؤونها ، فتكون بتمامها ملكاً ، وهذا ما يحصل في الهبة . وقد يرضى بمقدار المنفعة خاصّةً دون العين ، وهذا ما يحقّق العارية . فهذه اليد في اقتضائها الثبوتي تتبعّض وتتنجّز بمقدار إرادة المالك . ويشبه ذلك ما يُقال في قاعدة اليد ، إحدى القواعد الأماريّة ؛ أليست تتبعّض في مقام كشفها عن ثبوت مقتضاها أيضاً ؟ ! إذ تقتضي - أوّلًا وبالذات - كون هذا المال بتمام المراتب ملكاً لصاحب اليد ، فلو اعترف صاحبُ اليد بأنّ الكتاب ليس له ، ظلّت القاعدة مثبتةً لغير هذه الملكيّة . بل هذه التجزئة يمكن تصوّرها حقيقةً في اليد الأولى أيضاً فضلًا عن