الثانية ؛ فإنّ من يحوز قد يفرض أنّ الحيازة تكون مقصودةً بحيث توجد هذا النحو من التجزئة ، كمن حفر بئراً في الطريق لأجل أن ينتفع به أو يشرب منه المستطرق ؛ إذ لا يبعد أن يقال : إنّه بهذه الحيازة يوجِد له نحواً من ملكٍ أو حقّ ، كما يوجد نحو حقٍّ للمستطرقين ؛ فهذا الحائز يضيّق دائرة ملكيّته تبعاً للقصد من الحيازة ، فيجعل لنفسه شريكاً معه في هذه البئر .
4 - الصورة الرابعة : القرض ، حقيقته وتقوّمه بالقبض :
في هذه الصورة يريد المالك فيها الجمع بين اقتضاء الضمان وبين اقتضاء الملكيّة ، فتؤثّر اليد في كلا المقتضيين ، أي التمليك على وجه الضمان . وهذه هي حقيقة القرض ، ولهذا قلنا : إنّ القرض متقوّم بالقبض ، فلا قرض قبل القبض ؛ لأنّ تملّك المقترض إنّما كان بالحيازة لا بإنشاءٍ معامليّ لفظي من قِبَل المقترض ، غاية الأمر أنّ هذه الحيازة أذن لها التأثير المقرون بالضمان ، وهذا الضمان - بناءً على هذا التحليل - عبارة عن ضمان اليد الذي يسمّيه الفقهاء : ( ضمانَ الغرامة ) « 1 » ، لا ضماناً منشأ مجعولًا من قبل المقرِض نفسه .
ووجه كون هذا الضمان ضمانَ الغرامة - على ما بيّنّاه أيضاً - أنّ هذه اليد تخرج المال عن كونه مالًا له ، فيكون قد تلف عليه ، فتشتغل ذمّة المقترض بالبدل بمجرّد وضع يده عليه ، لا بتلفه خارجاً ؛ لأنّ تلفه على المالك كان قد تحقّق بنفس وضع يده عليه ، وإن بقي على حاله بعد ذلك . وهذا هو المعنى العلمي التحقيقي لكلام الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله حينما اعتبر القرضَ
هامش
( 1 ) راجع مثلًا : بلغة الفقيه 1 : 152 ؛ حاشية كتاب المكاسب ( اليزدي ) 3 : 501 ؛ حاشية كتاب المكاسب ( الإصفهاني ) 1 : 352