اللوازم التي يؤدّي إليها القطع ، ولا يتصوّر وقوف هذا التصديق عند مرتبة من المراتب وعدم سرايته إلى الملازم مع فرض الالتفات إلى الملازمة . ومردُّ ذلك إلى أنّ العقل عندما يصدّق بأيّ مرتبة من مراتب التصديق فإنّه إنّما يصدّق بها باعتبار نكتة وربط واقعيّين ، ونسبة هذه النكتة إلى تمام اللوازم والملزومات على حدٍّ واحد ، فلا بدّ أن يُسري العقلُ تصديقَه من بعضها إلى البعض الآخر إلى أن يصل إلى آخر السلسلة .
أمّا إن كان القطع بملاك الوهم ، فإنّه ينشأ من نكتة أخرى ، وهي نكتة نفسيّة ذاتيّة ترتكز على ضيق أفق القوّة الواهمة ، وينجم عن هذه النكتة عدم سراية القطع إلى تمام اللوازم . ومن خلال هذه النكتة استطاع العقل - كما قرّر الشيخ الرئيس « 1 » - أن يفضح الوهم ؛ إذ لو بقيت القوّة الواهمة تقطع بالملازم ثمّ الملازم وهكذا . . لصعب عليها أن تتصوّر أن يكون العالم متناهياً ، بحيث يتاح للإنسان أن يصل إلى مكانٍ يمدّ يده خارج هذا العالم فتقع خارجه . وهنا يأتي دور العقل في تسليط الضوء على براهين تناهي الكمّيّات في العالم .
إذن : الفارق بين التصديق بملاك العقل وبين التصديق بملاك الوهم هو أنّ التصديق الأوّل يرتكز إلى نكتة واقعيّة موضوعيّة يسري القطع بواسطتها إلى تمام اللوازم ، بينما يرتكز التصديق الثاني إلى نكتة نفسيّة ذاتيّة هي عبارة عن ضيق القوّة الواهمة ، وينجم عنها عدم سراية القطع إلى تمام اللوازم .
أمّا وقد فرغنا عن بيان الأصل الموضوعي الذي يبتني عليه البرهان الرياضي ، ننتقل إلى الحديث عن نفس هذا البرهان ، فنفترض - بغية تسهيل
هامش
( 1 ) سبق أن استعرضنا نصّ ابن سينا في هامش المصادرة الثانية من مصادرات المنطق الذاتي ، والذي نقلنا عن : المباحثات : 347 ، فراجع