ومنهم من توقف ، وهو مذهب الأشعري ، رحمه الله ، ومن تابعه من أصحابه ،
كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما ، وهو الأصح . وذلك لان وضعه مشتركا ،
أو حقيقة في البعض ، مجازا في البعض ، إما أن يكون مدركه عقليا أو نقليا :
الأول محال ، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول ، لا ضرورة ولا نظرا
والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا : والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه ، والظني
إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن ، وهو غير مسلم ،
فلم يبق غير التوقف .
فإن قيل : ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع ، وهو غير
مسلم ولا في شئ من اللغات ، وإن سلمنا ذلك ، لكن ما المانع أن يكون المدرك
لا عقليا محضا ولا نقليا محضا ، بل هو مركب منهما ، كما يأتي تحقيقه ، وإن سلمنا
الحصر فيما ذكرتموه ، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا ، فإن العقل لا يقتضيه ،
والنقل القطعي غير متحقق فيه ، والظن إنما يكتفى به أن لو كانت المسألة ظنية ،
فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا لخصومكم فيما ذهبوا إليه على اختلاف
فذاهبهم .
قلنا : أما إنكار القطع في اللغات على الاطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع في
جميع الأحكام الشرعية ، لان مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ومعقولها ، وذلك
كفر صراح ، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على القطع .
قلنا : نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون ، فمن
رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى بذلك فيما
نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا ؟ ولا بد عند توجه التقسيم ، من تنزيل الكلام
على الممنوع أو المسلم ، وكل واحد منهما متعذر لما سبق .
الاحكام — صفحة 145
مساهمون: الآمدي
ص١٤٥