وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد ، حتى قال علي
عليه السلام ، إنه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى فأرى أن
يقام عليه حد المفترين . وقال عبد الرحمن بن عوف : هذا حد ، وأقل الحدود ثمانون .
وأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد ، ومقدار أرش الجناية ،
ومقدار نفقة القريب وعدالة الأئمة والقضاة ، ونحو ذلك .
وإذا ثبت الجواز والوقوع ، وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة
كون الاجماع حجة .
فإن قيل : ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه ،
وبيانه من خمسة أوجه :
الأول : أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس ، وذلك مما يمنع من
انعقاد الاجماع مستندا إلى القياس .
الثاني : أن القياس أمر ظني . وقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف
عليه ، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة ، كما يستحيل اتفاقهم
على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم .
الثالث : أن الاجماع دليل مقطوع به ، حتى إن مخالفه يبدع ويفسق ، والدليل
المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الاجماع إليه .
الرابع : أن الاجماع أصل من أصول الأدلة ، وهو معصوم عن الخطأ . والقياس
فرع وعرضة للخطأ . واستناد الأصل وما هو معصوم عن الخطأ إلى الفرع وما هو
عرضة للخطأ ممتنع .
الخامس : أن الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد ، فلو انعقد الاجماع عن
اجتهاد أو قياس ، لحرمت المخالفة الجائزة بالاجماع ، وذلك تناقض .
وأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع ، فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور الاجماع
كان عن القياس والاجتهاد ، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين
منها ما ظهر لنا ، وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى :
الاحكام — صفحة 265
مساهمون: الآمدي
ص٢٦٥