كما نقل عن ابن عبّاس في مسألة العول أنّه سكت أوّلا ثمّ أظهر الإنكار ، فقيل له في ذلك فقال : إنّه و اللّه لكان رجلا مهيبا - يعني عمر - و مع قيام هذه الاحتمالات لا يدل على الموافقة فلا يكون إجماعا و لا حجّة .
الجواب أنّها و إن كانت محتملة فهي خلاف الظاهر ( 51 ) لما علم من عادتهم ترك السكوت في مثله كقول معاذ ( 52 ) لعمر لمّا رأى جلد الحامل : ما جعل اللّه على ما في بطنها سبيلا ، فقال عمر : لو لا معاذ لهلك عمر ، و كقول امرأة لما نفى المغالاة ( 53 ) في المهر : أيعطينا اللّه بقوله :
وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً
و يمنعنا عمر ، فقال : كلّ أفقه من عمر حتّى المخدّرات في الحجال ، و كقول عبيدة لعليّ ( 54 ) لما قال تجدّد لي رأي في أمّهات الأولاد إنّهن يبعن : رأيك في الجماعة أحبّ إلينا من رأيك وحدك ، و غير ذلك ممّا توقّف عليه التتبّع لآثارهم .
قال المخالف الآخر و هو القائل بأنّه إجماع : سكوتهم دليل ظاهر في موافقتهم فكان اجماعا .
الجواب : الظهور ( 55 ) لا يكفي في كونه إجماعا قطعيّا بل في كونه حجّة و نقول به .
و قال الجبائي : قبل انقراض العصر الاحتمالات المذكورة قويّة فلا يكون إجماعا و أمّا بعده فيضعف الاحتمال ، فيكون ظاهرا في الموافقة فيكون إجماعا .
و الجواب ما قلنا .
قال ابن أبي هريرة : العادة في الفتيا أنّها تخالف و يبحث عنها دون الحكم ، فإن كلا يحكم بما يراه فيتّبع و لا يخالف كما ترى في عصرنا ، و أيضا الحاكم يهاب و يوقّر دون المفتي .
الجواب أنّ ذلك بعد استقرار المذاهب و قد فرضنا المسألة فيما قبل استقرارها و الفتيا و الحكم حينئذ سواء ، لأنّ إنكار الحكم إنكارا للفتيا .