التواتر ( 16 ) فإنّ غيره لا يقطع بتخطئة مخالفه و لا يقدّم على القاطع إجماعا .
فالجواب أنّ الدليل ( 17 ) ناهض في إجماع المسلمين من غير تقييد و لا اشتراط فإنّهم خطّؤا المخالف و قدّموه على القاطع مطلقا من غير تعرض لعدد التواتر ، و إن سلّم فلا يضرّنا إذ غرضنا حجيّة الإجماع في الجملة ، و قد صحّ ، على أنّ أكثر ما يستدلّ به من الإجماع كإجماع الصحابة و التابعين كذلك ، و لأنّ حجّية غيره ثبتت بالظواهر و ثبتت حجّية الظواهر بإجماع من هذا القبيل ، فيندفع الدور .
قال : استدلّ الشافعي و يتّبع غير سبيل المؤمنين و ليس بقاطع لاحتمال متابعته أو مناصرته أو الاقتداء به أو في الإيمان فيصير دورا ، لأنّ التمسّك بالظاهر إنّما يثبت بالإجماع بخلاف التمسّك بمثله في القياس .
أقول : استدل الشافعي على حجّية الإجماع بقوله تعالى :
وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً
أوعد باتّباع غير سبيل المؤمنين بضمّه إلى مشاقّة الرسول التي هي كفر ، فيحرم ، إذ لا يضمّ مباح إلى حرام في الوعيد ، و إذا حرم اتّباع غير سبيلهم فيجب اتّباع سبيلهم ، إذ لا مخرج عنهما ، و الإجماع سبيلهم فيجب اتّباعهم و هو المطلوب .
و اعترض عليه بوجوه كثيرة ( 18 ) و انفصلوا عنها ، أصعبها ما نذكره و هو أنّ هذا ليس بقاطع لأنّ قوله :
وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
يحتمل وجوها من التخصيص ، لجواز أن يريد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته أو في الاقتداء به أو فيما به صاروا مؤمنين و هو الإيمان به ، و إذا قام الاحتمال كان غايته الظهور ، و التمسّك بالظاهر إنّما يثبت بالإجماع و لولاه لوجب العمل ( 19 ) بالدلائل المانعة من اتّباع الظنّ فيكون إثباتا للإجماع بما لا تثبت حجّيته إلّا به فيصير دورا ( 20 ) و إذا سلكنا في الاعتراض هذا السبيل لا أنّه اثبات لأصل كلّي بدليل ظنّي فلا يجوز لم يرد علينا القياس نقضا ( 21 ) للاحتجاج عليه بالظواهر إذ لا يلزم دور .