الشهي إذا اشتعلت الهاجرة . فامتدت الأيدي الغلاظ الشداد
بالأسواط تتلوى على جسمي الزوجين الصالحين تلوي
الأفاعي ، ولكن الأسواط كانت تئن ولا يئن الزوجان
الصالحان ، فإذا كلت السواعد ، وغلب أبو جهل غيظا أمر
بإخراجهما سحبا ، فسحبا إلى مثوى عمار ينتظران معه اشتعال
الهاجرة .
فإذا كانا من ابنهما غير بعيد هش لهما ، وهشا له مغتبطين
جميعا ، كأن ليس بهم إلا العافية ، وكأن الجنة التي بها وعدوا
نشرت عليهم ظلالها منذ لحظتهم فهم فيها منعمون . قال عمار
من قيوده : كيف تجد أنكما يا أبوي ؟ فقالا بلسان واحد : كيف
تجدك يا بني . قال : إن كان إيماني وكنتما بخير ، كنت
كذلك . وقالا : إن كان إيماننا وكنت بخير كنا كذلك . وقال
ياسر : هنيئا لك يا عمار : ألا أبشرك ببشارة تثبتك فيما أنت
فيه ، لقد بلغني أن الله أنزل قرآنا يذكرك عامرا لمسجدك الذي
حرقه المشركون فقال : { أمن هو قانت آناء الله ساجدا
وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذي
يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولو الألباب }
فاستقبل عمار بشارة أبيه بعينين تفيضان دمعا من فرح ورحمة ،
وتومئان بالسجود شكرا وامتنانا .
ثم تأخذ هذه الأسرة الأسيرة في حديث من هذا يشد عزمها
على الاستخفاف بما ينتظرهم من عذاب أبي جهل ، مهما بلغ
من الوقاحة والنكر والنكال .
* * *
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 70
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٧٠