الجن ، وفي أيديهم مشاعل توقد أطرافها بالخرق المغموسة
بالقطران ، ومن ورائهم غلمان آخرون يعتلون أحمالا من
الحطب ، وكالطيف المزعج أبصر الشيخان غير ذاهلين ولا
مكترثين إلى النار ترسل ألسنتها في أطراف الدار ، وتأخذها
من كل جانب ، ثم تمتد إليهما أيد غلاظ شداد فتخطفهما من
موقفهما في باب مسجد عمار ، وترميهما رميا سريعا فلا يعرفان
كيف شد وثاقهما ، ولا يشعران إلا وهما يجران جرا بأرجلهما ،
ورأساهما يعلوان وينخفضان على عنف السحب ، في حفر
الطريق ونواتئه وأمامهما جماعة من السفهاء ، وخلفهما جماعة
من المولدين ، يرسل أولئك من أمام ، ويرسل هؤلاء من وراء
في عرضهما ألسنة حدادا فاحشة تسلقهما بأبذأ ما عرف من
السب والهجاء ، وهما على ذلك يستغفران الله ويسبحانه ،
ويذكران محمدا أجمل ذكر وأرضاه .
ولم تكن مكة تجهل هذا النبأ ، ولكن ضجيج السفهاء أزعج
صباحها ، وأخرج الناس من بيوتهم يهرعون ، وفيهم من محنة
آل ياسر عواطف مختلفة تخوض هي الأخرى في أعماق
الصدور معركة هائلة . . معركة صامتة إذا نبست في صف
الأجلاف ، فإنها خرساء في صف المحايدين والمنصفين ،
ولعل لتعاكس الأهواء هذي يدا في جمع حشد في الفريقين
جد غفير ، توافوا من هنا وهنا ولكل حافز ، ولكل هوى ، وخيل
لأبي جهل أن هذا الحشد العظيم كله مجند لرأيه ، زاحف
تحت لوائه ، فزها وورم وانتفخ وبذل أقصى ما عنده من فنون
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 68
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٦٨