هنا بأطراف الحراب ويلذعونهم من هنا بأطراف المشاعل ،
وأبو جهل قائم على رؤوسهم يقول لهم : لا ينجيكم مما أنتم
فيه إلا ثلاث : سب محمد ، والبراءة من دينه ، والرجوع إلى
( اللات والعزى ) . وهم أرسخ ما كانوا ، يسبون اللات والعزى ،
ويذكرون الله والرسول أطيب ذكر وأرضاه ويستزيدون من
عذاب أبي جهل ، فإذا رأوا الرسول مقبلا إلى مواساتهم
بنفسه ، عقد الحب والإيمان لساني عمار وسمية ، وانطلق لسان
ياسر متوجها إلى النبي يهون عليه ما نزل بهم فيقول : ( الدهر
هكذا ) . ويجلس النبي القرفصاء عند رؤوسهم يمسحها بيده
الكريمة ويقول رفيقا حنونا : " صبرا آل ياسر ، إن موعدكم
الجنة " ويرفع طرفه إلى السماء فيقول : " اللهم اغفر لآل ياسر ،
وقد فعلت " .
ويجلس النبي ما يجلس إلى جنبهم ، ثم ينهض لشأن من
شؤون الإسلام ، فيودعهم متجلدا صابرا ، وإن الألم لهم ليحز
في نفسه ما يحز الحديد في جلودهم ، فإذا انصرف جن جنون
أبي جهل واحتدم غيظه ، وأمرهم بخصاله الثلاث : سب
محمد ، والبراءة من دينه ، والرجوع إلى اللات والعزى . ولكنه
وجدهم أثبت ما كانوا ، وما ندري ما الذي أخرجه عن طوره
بعد انصراف أبي القاسم - صلى الله عليه وآله - تثبيت محمد
قلوب هؤلاء الأبطال بتفقده إياهم ، ودعائه لهم ؟ أم كبرياء
هؤلاء الأبطال على العذاب وتمردهم على الألم ؟ أم
استخفافهم بأبي جهل ، وسبهم لآلهته ؟ أم هذه الأسباب كلها
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 72
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٧٢