التهويل ، وماذا على عمار وأبويه إذا دفعوا من أجسامهم هذا
الثمن الزهيد لجنة عرضها السماوات والأرض ؟ وماذا على
عمار وأبويه إذا كانوا فداء لكلمة الله وسبيلا إلى إنقاذ العامة
مما يرهقها بأشد من جلد عمار وأعنف قسوة ! . . إلى إنقاذ
العامة من الرق والظلم والظلام ؟ ماذا علينا إذا دفعنا بهذه
التضحية ثمنا لخلود ينعم أرواحنا ، ويطيب أسماءنا في
الدارين ؟ لا تجزعي أم عمار ، واطفئي هذه الجمرة الوارية من
حزنك ببرد الإيمان واليقين ، وليكن عزاءك أنك صائرة منذ
الغد إلى لقاء عمار تقاسمينه السياط ، وغير السياط من وحشية
هذا الذئب الذي يسمونه أبا جهل ، وتأسي فليس آل ياسر
وحدهم في محنة الإسلام ، فهناك طائفة من المستضعفين منوا
بمثل ما منينا به فصبروا واحتسبوا ، وثب كل مشرك من الطغاة
بأحلافه وعبيده من المسلمين فسطحوهم للهموم والأحزان ،
وأطعموهم للسياط والنيران . لبلال بن رباح أمية بن خلف
الجمحي ، ولجارية بني مؤمل من عدي عمر بن الخطاب ( 1 )
ولسالم مولى أبي حذيفة ، وخباب بن الأرت ، وصهيب بن
سنان ، وعبد الله بن مسعود ، وعامر بن فهيرة ، وأبي فكيهة ، وأم
عنيس ، وزهرة ، وغيرهم من إخواننا وأخواتنا . . طواغيتهم من
هامش
( 1 ) كان ابن الخطاب قبل الإسلام من الأشداء على المسلمين ، وكان يعذب
هذه الجارية ليفتنها عن دينها . يقول ابن هشام : كان عمر يضربها حتى
يمل هو الضرب ، فإذا مل قال : ( أعتذر إليك لم أتركك إلا عن ملالة ) .
ولم ينقذها منه إلا أبو بكر إذا اشتراها وأعتقها فيمن اشترى وأعتق من
عبيد قريش وإمائها وتبلغ عدتهم ثلاث عشر .