فكفا منذ اليوم عن لوم من تلومان ما دام ابن المغيرة ، وابن
ربيعة لهما في محمد وفي بدعته رأي كريم ! .
وكان أبو خالد الوليد يتصدر المؤتمر ، ذاهبا في متابعة الحوار
بابتسام رقيق ، عاقدا يديه على صدره ، مستندا إلى وسادة
خلف ظهره في استرخاء وكسل ، فلما بلغ بن خلف من لومه ما
بلغ استوى في مجلسه دون أن تفارقه ابتسامته الرقيقة قائلا :
ماذا تنكر يا ابن خلف من مولاك بلال بن رباح ؟ أيخرجه
إذلالك إياه عن طوره أكثر مما أخرجك صدى ظلامته عن
طورك ؟ أتظن سعي بلال للتحرر من ربقة ابن خلف والتخلص
من أسره ، أعظم إثما من تجاوز ابن خلف على محمد ،
وأوخم من التنكر لعبد المطلب بحفيده وسيد بنيه ؟ . شد ما
تتعامون عن الحق يا إخوان قريش ، وتتعصبون لأنفسكم ! .
وأقسم لو سستم عبيدكم وإماءكم سياسة إنسان لإنسان ،
وأعطيتموهم النصفة والرعاية ، لما فارقكم منهم مفارق ، ولما
انتقض عليكم منهم منتقض ، ولكنكم سستموهم ونسيتم أمرا
واحدا ، نسيتم أنهم بشر مثلكم ، لهم رؤوس فيها أعين وآذان
وآناف وألسنة ، وفيها عقول تعرف الكرامة معرفة عقولكم لهذه
الكرامة ، فليتكم حين ملكتموهم لم تنسوا في سياستكم إياهم
هذا الأمر البسيط ، إذن لا تجدوهم إلا حيث تحبون . وأما وقد
نسيتم هذا فقد نسوا هم حبكم ، وقابلوا نسيانكم بنسيان مثله ،
أظهروا لكم طاعة باطنها العصيان ، وأضمروا معصية ظاهرها
المداراة ، ولم يكن شئ أكثر طبيعية من إسراعهم إلى إنقاذ
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 42
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٤٢