فقال ياسر : ما شككت - يا بني - أن طفولتك تنفتح عن
شباب رشيد ، ولكن احفظ عني ما يمرتك به في صدر حديثي
آنفا وانهض الآن فاقتص لنا أثر هذا الخبر ، ما خطب هذا
الهاتف يصابح ( مكة ) بهذه الشكوى المرة ؟ وما عسى ( مكة )
أن ترد على هذا المظلوم من مظلمته الصارخة ؟
ولما عاد ياسر قال لأبيه : لم يخطئ علمك ببني هاشم من
صلاحهم شيئا . كان الهاتف رجلا من ( زبيد ) أقبل إلى
الحاضرة ببضاعة ثمينة ابتاعها منه أبو عمرو العاص بن وائل
السهمي ، فآواها إلى بيته ولم يدفع ثمنها لأخي زبيد ، ثم
غيب وجهه . ويطلبه الزبيدي فيعجزه الطلب ، ويبتغي متاعه
فيمتنع عليه المتاع ، ويلتمس بني سهم يشكو إليهم أخاهم فلا
يجد وجوها ، بل يجد أقفية ، ويبلي في طلب حقه بلاء حسنا
فيطوف على أندية قريش من ظهراء ( سهم ) فلا يجد غير
اغتصاب على الاغتصاب ، وغير ممالاة على الغزو المجرم ،
وغير عفو من الجميع عن العاص يشتري منه عفوا عن مثلها
يأتيها حرب بن أمية ، وأبي بن خلف وغيرهما من فتاك مكة
وعصابتها وانتهى آخر الأمر إلى ( أبي قبيس ) يشكو أمره إلى
قريش مجتمعة بعد أن شكا إلى أكثرها متفرقة راجيا أن يكون
لشكواه المعلنة شأن وتأثير ، ويرسله - كما سمعنا - صوتا يهوي
من العلياء كما ينزل الصوت من السماء .
قال عمار متابعا : ولقد جهدت أن أحس وقع هذا الصوت
العادل ، وأرى إلى أثره المرجو في هذا الحرم من وطن
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 35
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٣٥