وإنما يأتي من قبلهم ، صدره ليس ضيقا كصدورنا - يا بني -
بالحقد حرجا بالحسد ، فوارا بالنقمة ، بل هو صدره الرحب
الفسيح الخافق بالحب والرحمة والغفران ، فلو قد عجل على
المخطئين بالنقمة ، وأغلق في وجوه العاصين أبواب التوبة ، لم
يكن حالذاك إلها ، وإنما كان ملكا جبارا تعروه الخطيئة ، ثم
يجب عليه القصاص ، ثم إذا فعل ما تتمناه أنت من معاجلة
الناس ، قل لي : من يبقى من البشر على وجه البسيطة ؟ وإذا
أخلى البسيطة من الناس ، قل : من ذا الذي يعرفه بعدهم ؟ وما
الفائدة بعد ذلك من الأنظمة والشرائع والقيم ؟ بل ماذا يبقى
للحياة كلها من الغايات والأغراض والأهداف ؟ تعلم - يا بني -
أن رب عبد المطلب رب لا أطول من أناته ، ولا أوسع من
رحمته ، ولا أغنى من ذاته ، لا يكره بل يخير ، ولا يعنف بل
يلطف ، ولا يعجل بل يمهل ، ولا يعسر بل ييسر ، وقلما يظهر
من قصاصه ، ثم لا يقتص إلا إذا طفح الكيل ، وإلا إذا توقفت
على القصاص حكمة من حكمه البالغة ، أو خيف انقطاع هذا
الخيط الضعيف الذي يشد الأرض إلى السماء .
قال عمار لأبيه : لله حرة انكشفت عنك - يا أبتي - ! . إنني
لأشرب كلامك هذا كما أشرب الرحيق ، فينشر في نشوة
سأسأل شاربي الخمر عن دبيبها ، يخيل لي - يا أبه - بعد الذي
سمعت أنك لست إنسانا ، وإنما أنت ملك يغرس في ريشا من
أجنحته . بقيت عندي مسألة لا أحب أن يفوتني علمها .
قال ياسر لابنه : قل وخلاك ذم إن يكن عندي خير فهو لك .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 32
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٣٢