قال عمار : يا أبتي رأيتك تعظم من بني هاشم ما لا تعظم
من بني مخزوم ، وقد أعلم أن بني هاشم أرفع مكانة ، وأعز
نفرا ، ولكن مخزوما حلفاؤك ، وذوو الفضل عندك ، أليس من
الوفاء لهم أن تحبس عليهم ميلك ؟
فقال له أبوه : وصلتك رحم بابني . أنا إنما أعظم الحق
بمعزل عن هاشم ومخزوم ، ولو حدثتك بحديث القلب
والعاطفة لكنت جديرا بالميل إلى أحلافي كما زعمت ، ولكني
أعلم أن ميلي العصبي ككل ميل عصبي ، لا يغني عن الحق
شيئا ، ولا يغير منه شيئا ، وقد رأيت بعيني رأسي وعيني يقيني -
وهن أربع - أن الفرق بين هاشم وبين عامة قريش ، وأفضلهم
مخزوم ، كالفرق بين إله هاشم وبين آلهة قريش ، أولئك أرواح
برة نشيطة عاملة مدركة ، وهؤلاء تماثيل جامدة ثقيلة بغيضة فإذا
تحركت لم تأت بخير .
خذ الحق - يا بني - حتى من نفسك ، فورب عبد المطلب لو
فارقتني أنت فيه لفارقتك ، ولكان أعظم بري بك وحبي لك أن
أدخلك عليه ، أو أدخله عليك ما استطعت ، فإن لم أستطع
كان أعظم حبي لك وبري بك أن أرثي لحالك من بعيد ، هذا
قياس وفائي لمخزوم . أهبها قلبي وأمنع عنها عقلي إلا في
الحق ، فإن خالفت الحق رجوت لها أن تعرفه . وهذا أعظم
الوفاء .
وبلغا من حوارهما هذا الحد .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 33
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٣٣